اليمن على خط الزلازل الخليجية: تصدّع موضعي أم تحوّل أعمق ؟

 اليمن على خط الزلازل الخليجية: تصدّع موضعي أم تحوّل أعمق ؟

Screenshot

اليمن على خط الزلازل الخليجية: تصدّع موضعي أم تحوّل أعمق؟

علي منصور – ليبانغيت

لم يعد ممكناً توصيف ما يجري بين السعودية والإمارات في اليمن بوصفه تبايناً في وجهات النظر داخل تحالف واحد، ولا حتى خلافاً تكتيكياً حول إدارة الساحة الجنوبية. ما شهدته الأيام الأخيرة، من ضربة سعودية  على ميناء المكلا إلى قرارات سياسية غير مسبوقة صدرت عن رئاسة مجلس القيادة، يكشف أن “الخلاف المُدار” الذي حكم العلاقة بين الرياض وأبوظبي لسنوات بدأ يتفكك، وأن اليمن دخل مرحلة جديدة من الاشتباك السياسي والأمني داخل المعسكر نفسه.

فتمدّد قوات المجلس الانتقالي الجنوبي شرقاً نحو حضرموت والمهرة لم يكن مجرد تحرك ميداني معزول، بل مسّ مباشرة منطقة تُعدّ بالنسبة للسعودية جزءاً من أمنها القومي. الشرق اليمني ليس هامشاً جغرافياً يمكن التغاضي عنه، بل شريط حدودي حساس، تتحول السيطرة عليه من مسألة نفوذ يمني إلى قضية تمسّ حدود المملكة وعمقها الاستراتيجي. وعندما وصل التمدد إلى هذه النقطة، بدا أن الرياض قررت الانتقال من سياسة الاحتواء الصامت إلى رفع الكلفة، فجاءت ضربة المكلا كرسالة سياسية بقدر ما هي عسكرية.

غير أن التحول الأخطر لم يكن في الضربة ذاتها، بل في ما تلاها. فخطوات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، التي وصلت إلى حد المطالبة بخروج القوات الإماراتية وإلغاء اتفاق دفاعي مشترك معها ، كسرت أحد المحظورات داخل التحالف. للمرة الأولى، يُستخدم غطاء “الشرعية” اليمنية ليس فقط لضبط فاعل محلي، بل لمواجهة شريك إقليمي رئيسي. هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن ضوء أخضر سعودي برفع السقف إلى هذا المستوى.

في العمق، يتجاوز الخلاف الراهن حدود التكتيك العسكري ليصل إلى جوهر المشروعين المختلفين داخل اليمن. السعودية تنظر إلى اليمن من زاوية الدولة: دولة ضعيفة ربما، لكنها قابلة للإدارة، وقادرة على حفظ الحد الأدنى من الاستقرار وضبط الحدود وفتح مسار تسوية سياسية. أما الإمارات، فتتعاطى مع اليمن من زاوية النفوذ: نفوذ يُبنى عبر قوى محلية حليفة، ويتركّز حول السواحل والموانئ ومفاصل السيطرة الاقتصادية والأمنية. وعندما يتوسّع هذا النفوذ إلى مناطق تعتبرها الرياض خطوطاً حمراء، يصبح الصدام شبه حتمي.

ميناء المكلا هنا ليس تفصيلاً. إنه رمز لمعركة أوسع على السيادة والشرعية. فالموانئ ليست فقط شرايين اقتصادية، بل أدوات سلطة ونقاط ارتكاز سياسي. وعندما تُتهم دولة حليفة بتمويل أو تسليح طرف محلي عبر هذه المفاصل، فإن الاتهام يتجاوز البعد الأمني ليصبح سؤالاً عن من يملك حق القرار في اليمن.

اللغة السعودية التي ربطت التحركات الأخيرة بتهديد للأمن الوطني تعبّر عن انتقال واضح في المقاربة: لم يعد مقبولاً ترك هوامش مفتوحة لإعادة رسم الخرائط من الداخل. وفي المقابل، يوحي اندفاع المجلس الانتقالي شرقاً بأن هناك من يختبر هذه الخطوط الحمراء، إما لفرض وقائع جديدة، أو لانتزاع موقع تفاوضي أقوى داخل التحالف نفسه.

ابحثوا عن اسرائيل

وسط هذا المشهد، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله، وإن كان لا يجوز القفز إلى استنتاجات حاسمة بشأنه: هل نحن أمام صراع نفوذ محلي محض داخل اليمن، أم أن هذا البلد بات يتقاطع مع تحولات إقليمية أوسع تمتد من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي؟ صحيح أنه لا يوجد حتى الآن دليل مباشر يربط إسرائيل بشكل عملي أو ميداني بتفجير الخلاف السعودي–الإماراتي في اليمن، إلا أن تزامن الأحداث يفرض نفسه على أي قراءة جيوسياسية جادة.

فمنذ توقيع اتفاقات التطبيع، انتقلت العلاقة الإماراتية–الإسرائيلية من مستوى رمزي أو دبلوماسي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، شملت الأمن والتكنولوجيا والاستخبارات والاقتصاد والدفاع. هذه العلاقة لم تمنح أبوظبي مجرد اعتراف سياسي أو تعاون اقتصادي، بل وفّرت لها ما يمكن وصفه بـ«فائض قوة» إقليمي، أي قدرة إضافية على الحركة والمناورة خارج الأطر التقليدية للتحالفات العربية، وفي بعض الأحيان خارج المظلة السعودية نفسها.

هذا الفائض لا يُقاس بعدد القواعد أو الجنود، بل بامتلاك أدوات جديدة: تفوق تكنولوجي، خبرات أمنية متقدمة، حضور في شبكات الموانئ والملاحة، وقدرة على الاندماج في مشاريع أمن البحر الأحمر وباب المندب من زاوية دولية لا عربية فقط. ومع تراجع الانخراط الأميركي المباشر في كثير من ساحات الشرق الأوسط، واهتزاز موازين الردع التقليدية بعد حرب غزة، برزت إسرائيل كفاعل أمني إقليمي أكثر حضوراً، ما انعكس تلقائياً على شركائها الجدد، وفي مقدمتهم الإمارات.

في هذا السياق، لا يمكن فصل النقاش حول اليمن عن التطورات في القرن الإفريقي. فاعتراف إسرائيل بصوماليلاند، وما أثاره من جدل عربي ودولي في مجلس الأمن وخارجه، أعاد تسليط الضوء على أهمية الضفة الإفريقية للبحر الأحمر، وعلى المشاريع المرتبطة بالموانئ والقواعد والرقابة البحرية. وعندما تتقاطع هذه الجغرافيا مع اليمن، يصبح البلد جزءاً من معادلة أوسع تتجاوز الحرب الداخلية، وتلامس أمن الممرات الدولية وخطوط التجارة والطاقة.

من هنا، يصبح السؤال مشروعاً و مباشراً : هل يمنح التحالف مع إسرائيل  الإمارات  شعوراً بقدرة أكبر على اختبار الخطوط الحمراء للسعودية ؟ وهل تتحول ساحات مثل اليمن من ملفات تُدار داخل “البيت العربي” إلى ساحات متداخلة مع حسابات أمنية دولية أوسع؟

إذا صحّت هذه القراءة، فإن التوتر السعودي–الإماراتي في اليمن لا يعود مجرد خلاف على إدارة الجنوب أو الشرق، بل يصبح انعكاساً لصراع أعمق على من يملك حق تعريف الأمن الإقليمي، ومن يضع قواعد اللعبة في مرحلة ما بعد التحولات الكبرى التي ضربت الشرق الأوسط خلال السنتين   الأخيرتين .

لم تعد المسألة اليوم تتعلق بوجود اختلاف بين السعودية والإمارات في اليمن، بل باتت مرتبطة بحجم هذا الاختلاف وحدوده: إلى أي مدى يمكن أن يمتد من دون أن يتحول إلى تصدّع استراتيجي في العلاقة بينهما؟ هل نحن أمام احتواء سريع يعيد ترتيب النفوذ ويمنع الانزلاق؟ أم أمام إدارة طويلة لخلاف بارد، تفصل فيها الدولتان بين شراكتهما الإقليمية العامة وتنافسهما داخل الساحة اليمنية؟ أم أن السيناريو الأكثر خطورة لا يزال مطروحاً، مع احتمال انقسام فعلي داخل المعسكر المناهض للحوثيين، حيث يغدو الصراع على النفوذ جزءاً لا يتجزأ من معادلة الحرب نفسها؟

في المحصلة، يبدو اليمن اليوم مختبراً حقيقياً ليس فقط لموازين القوى الداخلية، بل لمستقبل التحالف السعودي–الإماراتي نفسه. فإذا كانت  الخلافات والتباينات  تُدار سابقاً تحت السقف الواحد، فإن ما يجري الآن يوحي بأن هذا السقف  بدأ يتصدع. والسؤال الذي سيفرض نفسه في المرحلة المقبلة هو ما إذا كان هذا التصدع سيُرمم بتفاهمات جديدة، أم أنه بداية مرحلة تُعاد فيها صياغة الأدوار والتحالفات في المنطقة، انطلاقاً من اليمن لا عند حدوده فقط.

مقالات ذات صلة