ترامب للإيرانيين: ساعدوني… لأواصل ضربكم

 ترامب للإيرانيين: ساعدوني… لأواصل ضربكم

ترامب للإيرانيين: ساعدوني… لأواصل ضربكم

علي منصور – ليبانغيت

في ذروة المواجهة العسكرية مع إيران، وبينما تتصاعد الهجمات والاغتيالات وترتفع سقوف التهديدات ، اتخذت واشنطن خطوة غير مسبوقة في قلب المعركة عبر رفع أحادي للعقوبات عن النفط الإيراني العالق في عرض البحر.

هذا ليس تفصيلاً… بل تحوّل استراتيجي يكشف ما يجري خلف ضجيج الحرب.

ورغم الخطاب التصعيدي، جاء قرار وزيري الخزانة الأميركي سكوت بيسنت والطاقة كريس رايت ليكشف ما تحاول واشنطن إخفاءه. فالولايات المتحدة، وهي تخوض حرباً مباشرة مع إيران، تريد استخدام نفط عدوّها لتخفيف أزمة خلقتها بنفسها. نحو 140 مليون برميل، بقيمة تقارب 17 مليار دولار، عالقة في البحر، ستتحول فجأة من “نفط محظور” إلى “أداة إنقاذ”.

هنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي: هل هذه خطوة عادية… أم اعترافٌ بمأزق؟

الحرب لم تُغلق مضيق هرمز بالكامل، لكنها فعلت ما يوازيه خطراً من خلال  زرع  الشك في استقراره. وهذا وحده كافٍ لرفع الأسعار إلى مستويات تهدد الاقتصاد العالمي  من دون تعطيل فعلي للممرّات البحرية.

تدرك واشنطن أن ارتفاع أسعار النفط سيؤثر حتماً في أسواقها الداخلية، وسيزيد من مستوى التضخّم، ويضغط على المستهلك، مع ما يحمله ذلك من تداعيات سياسية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية النصفية. لذلك، لم يكن غريباً أن تتحول الأولوية إلى الموازنة بين ما تسميه الإدارة الأميركية “ردع إيران” و“خفض الأسعار”.

لكن المفارقة أن الأداة المتاحة لتحقيق ذلك… هي إيران نفسها.

استخدام “نفط العدو”… براغماتية المُضطَرّ

الخطة الأميركية، كما تبلورت، تقوم على إصدار ترخيص مؤقت يسمح ببيع النفط الإيراني المخزّن على متن الناقلات في عرض البحر ، وضخّه سريعاً في الأسواق الآسيوية. خطوة محدودة زمنياً، لكنها تحمل دلالة أعمق.  فواشنطن لم تعد قادرة على إدارة السوق من دون إدخال براميل إيران إليه.

هي محاولة ذكية من حيث الشكل: “نستخدم نفط إيران ضد إيران”. لكن في العمق، هي اعتراف بأن سياسة “الضغط الأقصى” وصلت إلى حدودها، وأن أدوات العقوبات لم تعد كافية لضبط سوق عالمي معقّد ومترابط.

بمعنى أوضح، أميركا، وسط الحرب، تحتاج إلى عدوها لتخفيف آثار حربها.

لم يكن الرد الإيراني رفضاً مباشراً، بل نفياً لوجود نفط جاهز للبيع. صياغة مدروسة تفتح الباب أمام عدة قراءات.

الكميات موجودة وجاهزة على متن الناقلات، لكن المسألة لا تتعلق بالقدرة اللوجستية بقدر ما تتعلق بالقرار السياسي.

فطهران تدير المعركة بعقل بارد: لماذا تساعد في خفض الأسعار، بينما ارتفاعها هو أحد أقوى أسلحتها ؟

تدرك إيران أن كل دولار إضافي في سعر النفط هو ضغط على واشنطن، وأن كل توتر في هرمز هو ورقة تَفاوُض. لذلك، فإن نفي وجود الفائض ليس مجرد موقف تقني، بل جزء من إدارة الحرب الاقتصادية.

هل تُنقذ إيران ترامب؟

هنا تصل المفارقة إلى ذروتها.

تبحث واشنطن عن مخرج اقتصادي، حتى لو كان عبر نفط عدوّها. لكن هل تقبل طهران بلعب هذا الدور؟ وهل تسمح بأن تتحول إلى صمام أمان لاقتصاد أميركي يموّل الحرب ضدها؟

الإجابة ليست بسيطة.

إيران ليست في موقع “الاستسلام”، لكنها أيضاً ليست معنية بانهيار كامل للسوق قد يضرّ بها وبحلفائها. لذلك، قد نكون أمام معادلة دقيقة: لا إنقاذ مجاني، ولا تصعيد بلا سقف.

أي تعاون — إن حصل — سيكون محدوداً، محسوباً، وغير مباشر. لأن طهران تدرك أن كل برميل تضخه اليوم قد يُستخدم لتمديد الحرب عليها غداً.

ما يجري يتجاوز تفاصيل النفط والعقوبات إلى كونه اختبار حقيقي لحدود القوة في عالم مترابط.

أميركا، رغم تفوقها العسكري، لا تستطيع فرض إرادتها على سوق الطاقة بالكامل. وإيران، رغم الضغوط، قادرة على استخدام موقعها الجغرافي ونفوذها لإرباك أكبر اقتصاد في العالم.

في النهاية، ليس التفوق العسكري وحده الذي  يحدّد النتائج ، خاصة في سوقٍ لا يعترف إلا بالأرقام، حيث تتهاوى  الشعارات سريعاً أمام لهيب الأسعار.

قد تقصف عدوك مساءً…

ثم تبحث عنه صباحاً لينقذك.

مقالات ذات صلة