سيناريو التقدم الإسرائيلي: أوهام ستحطمها قبضات الجنوبيين
سيناريو التقدم الإسرائيلي: أوهام ستحطمها قبضات الجنوبيين
ليبانغيت
تتحدث تسريبات في وسائل إعلام إسرائيلية، بينها صحيفة يديعوت أحرونوت، عن خطط عسكرية محتملة للجيش الإسرائيلي تتضمن إنشاء نقاط سيطرة داخل جنوب لبنان بعمق يصل إلى نحو ثمانية كيلومترات شمال الحدود. ويُقدَّم هذا السيناريو في بعض الأوساط الإسرائيلية كخيار قادر على تغيير معادلة المواجهة وفرض واقع أمني جديد على طول الحدود الشمالية. غير أن قراءة أكثر واقعية لطبيعة الأرض في الجنوب، ولتجارب المواجهات السابقة، تكشف أن مثل هذا التصور قد يكون أقرب إلى رهان محفوف بالمخاطر منه إلى خطة قابلة للتنفيذ بسهولة.
فإذا ما جرى الحديث عن توغل بعمق ثمانية كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، فإن ذلك يعني عملياً دخول الجيش الإسرائيلي إلى شريط واسع يضم أكثر من ثلاثين قرية وبلدة جنوبية تمتد من الساحل حتى تخوم مرجعيون، موزعة على ثلاثة قطاعات رئيسية.
في القطاع الغربي الساحلي، الممتد من الناقورة باتجاه قضاء صور، يشمل هذا النطاق بلدات وقرى مثل: الناقورة، علما الشعب، الضهيرة، الجبين، شيحين، أم التوت، طير حرفا، شمع، زبقين، مجدل زون والقليلة. ويُعد هذا المحور حساساً نظراً لوجود الطريق الساحلي الذي يشكل أحد أهم خطوط الحركة في جنوب لبنان، كما أن طبيعته الجغرافية الضيقة بين البحر والتلال الداخلية تجعله ميداناً معقداً لأي تقدم بري.
أما في القطاع الأوسط الممتد في محيط بنت جبيل، فتقع ضمن هذا العمق بلدات بارزة مثل: يارون، مارون الراس، بنت جبيل، عيترون، عيتا الشعب، رميش، عين إبل، الطيري، صفد البطيخ وكونين، وهي مناطق شهدت في حروب سابقة معارك شرسة بسبب طبيعة عمرانها المتلاصق وتضاريسها المرتفعة.
وفي القطاع الشرقي على محور مرجعيون والعرقوب، يشمل النطاق بلدات مثل: ميس الجبل، بليدا، حولا، مركبا، رب ثلاثين، الطيبة، العديسة، كفركلا، الخيام وبرج الملوك، حيث تتداخل التلال والوديان مع القرى الحدودية بشكل يجعل أي تحرك عسكري عرضة للاستنزاف المستمر.
لكن هذا الشريط الحدودي ليس أرضاً مفتوحة يمكن السيطرة عليها بسرعة، بل هو شبكة معقدة من القرى المتلاصقة والتلال والوديان. هذه الجغرافيا، التي تمتد من الناقورة غرباً حتى محور الخيام شرقاً، لطالما شكّلت بيئة صعبة لأي قوة تحاول التقدم البري، حيث تتحول المسافات القصيرة بين القرى إلى ممرات ضيقة ومناطق تماس كثيفة.
كما أن التجارب السابقة تشير إلى أن العمليات البرية في هذه المنطقة تحمل كلفة مرتفعة. ففي حرب تموز عام 2006 واجه جيش الاحتلال صعوبات كبيرة في التقدم داخل القرى الحدودية، وتكبد خسائر في عدد من المعارك التي دارت في مناطق مثل بنت جبيل ومارون الراس وعيتا الشعب وصولاً إلى وادي الحجير ، وقد أظهرت تلك المواجهات أن القتال في جغرافيا جبلية معقدة ومتداخلة يفرض تحديات كبيرة على الجيوش النظامية، خصوصاً عندما يتحول القتال إلى مواجهات قريبة ومعارك استنزاف.
إلى جانب العامل الجغرافي، فإن أي تقدم بري بعمق عدة كيلومترات داخل جنوب لبنان يعني عملياً تمدد خطوط الإمداد العسكرية وتعريضها لضغط مستمر. فكلما تقدمت القوات أكثر داخل الأراضي اللبنانية، أصبحت أكثر عرضة للاستنزاف والضغط على محاور الحركة، ما قد يفرض عليها القتال في ظروف معقدة ومكلفة.
كذلك فإن السيطرة على نقاط ميدانية داخل هذا الشريط الحدودي لا تعني بالضرورة تثبيت واقع دائم، لأن الاحتفاظ بمواقع داخل القرى يتطلب انتشاراً واسعاً وقوات كبيرة، وهو ما يرفع كلفة أي عملية ويجعلها عرضة لمعارك طويلة.
في المحصلة، لا يبدو الحديث عن التقدم بعمق عدة كيلومترات داخل جنوب لبنان مجرد تحليل إعلامي، بل يعكس توجهاً عسكرياً يجري تداوله داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. غير أن تحويل هذه الخطط إلى واقع ميداني ليس مسألة سهلة، فالتجربة أثبتت أن الجنوب اللبناني ليس مساحة مفتوحة يمكن عبورها بسرعة، بل ساحة معقدة تفرض على أي جيش يدخلها كلفة بشرية وعسكرية مرتفعة.
ففي هذه الجغرافيا المتشابكة من القرى والتلال والوديان، لا يُقاس التقدم بعدد الكيلومترات التي تقطعها الدبابات، بل بقدرة الجيش على البقاء فيها تحت الضغط المستمر. وكلما تمددت القوات أكثر داخل الأراضي اللبنانية، ازدادت خطوطها هشاشة واتسع نطاق الاستنزاف، ما قد يحوّل أي عملية توغل إلى معركة طويلة ومكلفة.
لهذا، فإن التحدي الحقيقي في أي سيناريو من هذا النوع لا يكمن في الدخول إلى هذه القرى، بل في القدرة على البقاء فيها، وهي معادلة أثبتت حروب الجنوب خلال العقود الماضية أنها كفيلة بتحويل أي تقدم عسكري إلى اختبار قاسٍ قد ينتهي بالتراجع تحت وطأة الخسائر والاستنزاف
