لبنان…سفينة تحبسُ أنفاس مضيق

 لبنان…سفينة تحبسُ أنفاس مضيق

لبنان…سفينة تحبسُ أنفاس مضيق

علي منصور-ليبانغيت 

ما جرى خلال الساعات الماضية لا يبدو مجرّد سوء تفاهمٍ عابر، بل يكشف خللا  بنيوياً في الطريقة التي صيغت بها الهدنة المؤقتة بين واشنطن وطهران. فإيران قالت إن وقف إطلاق النار يشمل لبنان، وباكستان، التي لعبت دور العرّاب ، اكدّت الأمر ، بينما سارعت إسرائيل بعد ترقب حذر ، إلى نفي ذلك، ثم خرجت واشنطن لتؤكد رسمياً أن لبنان ليس جزءاً من الاتفاق. وبعد ذلك نشرت طهران “النقاط العشر” التي قالت إن ترامب وافق على اعتمادها أساساً للتفاوض، قبل  أن  يرد البيت الأبيض بأن هذه ليست الصيغة التي كان يتحدث عنها ترامب أصلاً. وفي الميدان، جاء الهجوم البربري  الإسرائيلي الواسع  على لبنان في اليوم التالي مباشرة  ليقول أنّ لبنان خارج الاتفاق.

المشكلة هنا ليست فقط في التناقض السياسي، بل في حجمه. نحن لسنا أمام بند ثانوي اختلفت الأطراف على تفسيره، بل أمام سؤال جوهري و أساسي: هل لبنان مشمول بوقف النار أم لا؟ عندما تختلف الأطراف على جواب بهذا الوضوح، فهذا يعني واحداً من ثلاثة أمور: إما أنه لم يكن هناك نص تفصيلي مكتوب ومُلزم منذ البداية، أو أن هناك نصوصاً ورسائل متوازية نُقلت بصيغ مختلفة إلى كل طرف، أو أن أحد الأطراف تعمّد ترك الغموض قائماً ليحصل على التهدئة أولاً ثم يعيد تفسير الاتفاق لاحقاً بما يناسبه. تصريح جي دي فانس بأن ما حدث كان “سوء فهم مشروعاً”، إلى جانب تأكيده أن واشنطن لم توافق على شمول لبنان، يعزّز فرضية أن الاتفاق كان سياسياً وشفوياً ومتعجلاً أكثر منه اتفاقاً قانونياً محكماً.

من هنا، يصبح وصف ما جرى بأنه مهزلة تفاوضية كبرى وصفاً دقيقاً، لا مبالغة. لأن أي اتفاق بهذا الحجم، لو كان متماسكاً فعلاً، لما انهار تفسيره خلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة. الأكثر دلالة أن إسرائيل لم تتعامل مع الهدنة بوصفها قيداً عملياتياً في لبنان، بل ذهبت إلى أوسع موجة غارات منذ أسابيع،وارتكبت المجازر بحق المدنيين من نساء وأطفالٍ وشيوخ دون وازع أو رادع ،  فيما قالت واشنطن بعد ذلك إن لبنان غير مشمول أصلاً. هذا التسلسل يوحي بأن إسرائيل كانت واثقة مسبقاً من وجود هامش أميركي يسمح لها بالفصل بين “هدنة إيران” و”حرب لبنان”، حتى لو كانت طهران وإسلام أباد تؤكدان شمول لبنان بوقف النار .

هل كانت هذه لعبة أميركية؟ السيناريو قائم بقوة، لكن بدرجات مختلفة. الاحتمال الأول أن واشنطن أرادت وقف التصعيد المباشر مع إيران سريعاً، خصوصاً بعد وصول الحرب إلى حافة  انفجار أوسع يهدد الملاحة والطاقة والأسواق، فقبلت صيغة غامضة تسمح لكل طرف بتسويق “نصر” عند جمهوره، على أن تُرحَّل التفاصيل إلى مفاوضات لاحقة في إسلام آباد. هذا ينسجم مع رؤية  ترامب  الذي يتعرض  لضغوط  اقتصادية داخلية كبيرة ويسعى لتبديدها عبر نافذة الملاحة في هرمز .

الاحتمال الثاني أن واشنطن  خدعت  طهران واستخدمت الغموض البنّاء: تركت للإيرانيين والباكستانيين مساحة للاعتقاد بأن لبنان سيدخل في التهدئة، من دون أن تمنح التزاماً أميركياً صريحاً يلزم إسرائيل. هذا يفسّر كيف أمكن للوسيط الباكستاني أن يخرج بتأكيد  وتفسير أوسع من النص الذي كانت واشنطن تعتبره قائماً. وفي هذا السيناريو، لا تكون باكستان شاهداً على اتفاق نهائي بقدر ما تكون شاهداً على مفاوضات حملت لكل طرف لغة مختلفة.

أما الاحتمال الثالث، وهو الأخطر على مستقبل التفاوض، فهو أن ترامب كان بالفعل متعطشاً لصفقة سريعة لأنه أراد وقف الاستنزاف وتهدئة الأسواق وتفادي الانزلاق إلى حرب مفتوحة، ثم تعرّض بعد الإعلان لضغوط إسرائيلية وأميركية داخلية دفعته إلى التشدد في اليوم التالي. هذا الاحتمال  يصبح استنتاجاً معقولاً بفعل تسلسل الأحداث: إعلان متفائل عن “أساس قابل للتفاوض”، نشر ترامب على صفحته على “تروث سوشل” لبيان وزير خارجية إيران عباس عراقجي ، ثم حديثه عن تأسيس صندوق استثماري من أجل اعادة إعمار إيران وفرص لجني الأموال في هرمز ،ثم في اليوم التالي نفي أميركي للنقاط الإيرانية المنشورة، ثم تشديد على فتح هرمز بلا شروط، ثم إطلاق يد  إسرائيل لتواصل  الحرب في لبنان دون ضوابط ، أي إن ما بدا في اللحظة الأولى مخرجاً دبلوماسياً، جرى تضييقه سريعاً بعد ظهور كلفته السياسية على واشنطن وتل أبيب.

هل ستذهب طهران إلى إسلام آباد؟

نعم، ولكن ضمن مقاربة تفاوضية مختلفة.

حتى الآن، يُفترض أن تُعقد الجولة المرتقبة يوم غد الجمعة في إسلام آباد، بوفد إيراني يرأسه محمد باقر قاليباف، مقابل وفد أميركي يقوده نائب الرئيس جي دي فانس. وتسعى طهران، عملياً، إلى إحداث خرق تفاوضي مع واشنطن، مدعومةً بسرديتها عن تعرّضها لخدعة تفاوضية، وبامتلاكها ورقة مضيق هرمز، وعلى قاعدة اختبار جدية الطرف الأميركي: هل يريد اتفاقاً متماسكاً يشمل التوازن الإقليمي، أم مجرد تهدئة جزئية تترك لبنان وحيداً في مواجهة إسرائيل؟

بمعنى آخر، لن تكون إسلام آباد محطة تسوية سهلة، بل محطة اختبار لإمكان تحقيق خرق تفاوضي فعلي… أو سقوطه بالكامل.

هل ستفتح إيران مضيق هرمز؟

المعطيات تشير إلى أن طهران لا تتجه نحو فتحٍ كامل ومجاني كما تريد واشنطن، بل إلى فتحٍ مضبوط يبقى تحت إشرافها ووفق شروطها. فالمضيق لا تتعامل  معه  طهران كمسار ملاحي فقط، بل كورقة سيادية–تفاوضية في قلب المعادلة. لذلك، لا يبدو أن إيران مستعدة للتخلي عن هذه الورقة في هذه المرحلة، بل ستستخدمها لإعادة ضبط ميزان التفاوض وفرض كلفة على أي محاولة للفصل بين التهدئة مع إيران واستمرار الحرب في لبنان.

هل ستمضي طهران في الاتفاق أم ستتراجع حتى ضمّ لبنان إلى الصفقة؟

هنا يبدو المشهد أكثر تعقيداً. إيران، سياسياً، لا  تقبل  صفقة تُخرج لبنان من الحماية التفاوضية فيما إسرائيل تصعّد حربها وترتكب المجازر. لكن في المقابل، هي تعرف أن ربط كل شيء بلبنان فوراً قد ينسف مسار التفاوض كله ويعيد الحرب المباشرة مع واشنطن إلى الواجهة. لذلك قد تتجه إلى موقف وسطي: لا إسقاط كامل للاتفاق، ولا قبول باستثناء لبنان، بل استخدام هرمز، ومسار إسلام آباد، والتهديد بالانسحاب من التفاوض، لفرض إدخال الجبهة اللبنانية تدريجياً إلى الصفقة الأوسع. هذا الاستنتاج تدعمه  مظلّة مواقف دولية وأوروبية  على رأسها  فرنسا بوجوب شمول لبنان بأي وقف نار في الإقليم.

وماذا عن  تدخل أنصار الله في اليمن والبحر الأحمر لإسناد لبنان ؟

هذا احتمال حقيقي، لكنه ليس حتمياً. إذا ترسخ الانطباع في محور طهران بأن واشنطن تمنح إسرائيل حرية تدمير لبنان فيما تفاوض إيران على ملفات أخرى، فقد تصبح  جبهة اليمن الجبهة  البديلة أو المكمّلة: أي نقل الكلفة إلى البحر الأحمر وباب المندب . لكن هذا الخيار يحمل مخاطر كبرى، لأنه قد يوسّع الحرب البحرية من هرمز إلى باب المندب، وقد يعيد المواجهة مجدداً بين طهران وواشنطن وبالتالي إسرائيل.  ويبقى هذا السيناريو مرهوناً بدرجة الانهيار في المسار التفاوضي خلال الأيام المقبلة، لا بمجرد الرغبة في “الإسناد” كيفما كان.

الخلاصة السياسية أن ما حدث لا يدل فقط على خلاف في التفسير، بل على تناقض في جوهر ما أراده كل طرف من الهدنة. واشنطن أرادت وقفاً يجمّد المواجهة المباشرة مع إيران ويفتح باب التفاوض النووي والملاحي، من دون تقييد يد إسرائيل في لبنان. طهران أرادت تحويل وقف إطلاق النار إلى مظلة إقليمية تشمل لبنان، وتكرّس حقها في التخصيب ودورها في هرمز. أما إسرائيل، فأرادت استثمار الهدنة مع إيران لتكثيف ضرباتها على حزب الله بلا كلفة أميركية. فيما سعت باكستان إلى تسويق مساحة مشتركة بين هذه الأهداف المتعارضة.

النتيجة: اتفاق وُلد منقوصاً في المساء، ثم انفجر تفسيره قبل شروق الشمس.

وإذا عجزت واشنطن عن تقديم جواب واضح لطهران حول لبنان، فإن إسلام آباد قد تتحول من منصة تفاوض لتثبيت التهدئة   إلى مسرح لكشف الخدعة الأميركية. وعندها لن يكون لبنان مجرد “تفصيل خلافي”، بل الجبهة التي قصمت  ظهر  الإتفاق.

مقالات ذات صلة