ليندسي غراهام: لو كنت “أبو عمر”
ليندسي غراهام : لو كنت “أبو عمر”
علي منصور
خارج قاموس التملّق السياسي، تكلّم قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل. ففي زمنٍ اعتاد فيه المسؤولون على الانحناء أمام الضغوط الأميركية، اختار أن يتحدّث بوضوح من موقع الكرامة الوطنية، لا من موقع الاستجداء، واضعًا حدًا للوقاحة السياسية التي حملها أحد أبرز صقور المحافظين الجدد في واشنطن
ما قاله هيكل في وجه السيناتور العنصري ليندسي غراهام لم يكن ردّة فعل عابرة ولا جزءًا من لعبة سياسية، بل موقفًا واعيًا صادرًا عن قائد يدرك حدود موقعه ودوره. ورفضه توصيف حزب لبناني بلغة جاهزة من الكونغرس شكّل انحيازًا مشرّفًا للكرامة الوطنية، وتعبيرًا عن احترام الشهداء الذين حرّروا الوطن ورووا أرضه بدمائهم، ودفاعًا صريحًا عن مبدأ سيادي ثابت: أن الجيش اللبناني لا يستعير قاموسه السياسي من الخارج، ولا يوقّع على بيانات تُصاغ في مكاتب اللوبي الصهيوني.
غراهام، المعروف بخطابه العنصري ودعمه الأعمى لإسرائيل، جاء محمّلًا بذهنية الوصيّ، متوقعًا سماع عبارات المديح أو مجاملات الدبلوماسية . لكنه نسي أن القائد يرتدي بزّة عسكرية لا تعرف التملق والمحاباة ، واصطدم بما لم يألفه: قائد جيش يتحدث بكرامة، لا يهادن، ولا يساير، ولا يساوم على سيادة بلده مقابل رضا سيناتور أو وعد بمساعدات.
مناقبية القائد ظهرت في قوته وصلابته معًا. لم يصمت، ولم ينحنِ. قال ما يجب قوله، واختصر بذلك معنى الوطنية في زمن الخيانة والتآمر ، وفي زمن بات فيه البعض يتباهى بمدى قربه من مراكز القرار الصهيونية . هنا، كان القرار وطنيًا صرفًا: الجيش مؤسسة سيادية، وقائده لا يساوم على الكرامة ولا يخضع للإملاءات.
هذا الموقف، قبل أن يكون رسالة إلى واشنطن، هو رسالة إلى الداخل اللبناني: ما زال في هذا البلد من يعرف كيف يقول “لا” بقوة وشموخ ، وكيف يحمي موقعه دون استعراض، وكيف يذكّر بأن الكرامة ليست شعارًا بل ممارسة.
في المقابل، يكفي أن نتذكّر كيف خضع سياسيون لبنانيون لأوامرٍ صدرت عبر الهاتف، وكيف انصاعوا لتوجيهات “أمير” وهمي مزيّف لم يلتقِهم يومًا، ومع ذلك استطاع أن يوجّههم سياسياً ويبتزّهم من خلف الشاشة. هناك من انبطح لوهمٍ اسمه أبو عمر، وهنا قائد واجه سلطة حقيقية وجهًا لوجه بعزمٍ وثبات .
في زمن الانبطاح السياسي، بدا رودولف هيكل استثناءً مشرّفًا… استثناء يُحرج زمن الأوغاد .