هل ينكسر جدار التوتر بين طهران وواشنطن؟ قراءة سياسية في تصريح لاريجاني
هل ينكسر جدار التوتر بين طهران وواشنطن؟
بين الطوق البحري الأميركي وتناقضات ترامب… قراءة سياسية في تصريح لاريجاني
علي منصور – ليبانغيت
في ذروة تصعيد عسكري غير مسبوق حول إيران ، ومع اكتمال الطوق البحري الأميركي حولها ، بدا تصريح أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، عن “العمل على إنشاء هيكل للمفاوضات مع الولايات المتحدة” كأنه خارج السياق العام، أو حتى مناقض لمنطق الميدان. غير أن القراءة الأعمق للمشهد تكشف أن هذا التصريح لم يكن ارتجاليًا ولا انعكاساً لضعف، بل تعبيرًا عن إدارة محسوبة للصراع في لحظة تتداخل فيها السياسة بالقوة، والردع بالدبلوماسية.
فالولايات المتحدة، منذ أسابيع، دفعت بثقلها العسكري إلى محيط إيران، عبر نشر مجموعات بحرية ضاربة تقودها حاملات طائرات، مدعومة بمدمرات صواريخ، وطائرات شبحية، وأنظمة دفاع جوي متقدمة. هذا الحشد، الذي رافقته تسريبات عن إخلاء جزئي لقواعد أميركية في الخليج، بدا للوهلة الأولى تمهيدًا لضربة وشيكة. لكن التجربة الأميركية مع إيران، ومع الإقليم عمومًا، تُظهر أن استعراض القوة لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار الحرب، بل غالبًا ما يُستخدم كأداة ضغط تفاوضي في إطار ما يُعرف بعقيدة “الضغط الأقصى”.
هنا تحديدًا، يظهر التناقض الجوهري في سلوك صانع القرار الأميركي، الرئيس دونالد ترامب، الذي لم يتوقف عن إطلاق تهديدات متكررة ضد إيران، متحدثًا تارة عن “ضربة قريبة”، وطورًا عن منعها من امتلاك أي قدرة استراتيجية، ومقدّمًا نفسه في أحيان أخرى كداعٍ لاتفاق “أفضل وأشمل”. هذا التذبذب ليس خللًا عابرًا، بل يعكس نمطًا ثابتًا في إدارة ترامب للأزمات: رفع سقف التهديد إلى الحد الأقصى، ثم ترك الباب مواربًا أمام التراجع السياسي من دون تحمّل كلفة الحرب.
في المقابل، لم تتعامل طهران مع هذا التصعيد بوصفه مقدمة حتمية للمواجهة، بل كجزء من معركة نفسية–سياسية طويلة. فقد ردّت بتعزيز دفاعاتها الساحلية، وتوسيع ترسانتها من الطائرات المسيّرة، وإرسال رسائل واضحة مفادها أن أي هجوم لن يكون بلا ثمن. وفي الوقت نفسه، حرصت على إبقاء خط سياسي مفتوح، وهو ما تجلّى في تصريح لاريجاني، الذي جاء بعد حراك دبلوماسي نشط شمل موسكو وبكين، ما يعني أن إيران لم تتحرك منفردة، بل ضمن شبكة أمان دولية مدروسة.
ولا يمكن فصل تصريح لاريجاني عن احتمال استناده إلى معطى عملي قائم بالفعل، لا مجرّد رغبة سياسية أو رسالة إعلامية. فوفق تقديرات دبلوماسية متقاطعة، قد يكون الحديث عن “هيكل للمفاوضات” نابعًا من صلة تواصل مباشرة أو غير مباشرة فُتحت بين طهران وواشنطن، عبر القناة التي يمثلها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف. هذا المسار، إن صحّ، لا يعني التوصل إلى تفاهمات جوهرية أو اتفاقات نهائية، بل قد يقتصر على تفاهم أولي حول آلية التفاوض، وسقفه، وتسلسله، بما يسمح بإطلاق مسار تفاوضي تدريجي ومضبوط، بعيدًا عن شروط الإملاء والضغط العلني. وفي هذه الحالة، يصبح تصريح لاريجاني أقرب إلى إعلان سياسي محسوب عن انطلاق قناة عمل قائمة، لا مجرد مناورة لفظية في لحظة توتر.
فروسيا، التي ترى في أي ضربة أميركية لإيران تهديدًا مباشرًا لتوازنات الإقليم، أعلنت بوضوح رفضها لأي عمل عسكري، وتتعامل مع الملف الإيراني كإحدى أوراقها الاستراتيجية في مواجهة واشنطن. أما الصين، الشريك الاقتصادي الأبرز لطهران، فتركّز على استقرار أسواق الطاقة وتفضّل الاحتواء على التصعيد، وهي وإن لم تقدّم ضمانات أمنية، إلا أنها توفّر لإيران مظلة سياسية واقتصادية تحدّ من فعالية العقوبات. إلى جانب ذلك، تلعب باكستان دورًا هادئًا في الخلفية، من خلال قنوات دبلوماسية غير مباشرة، تسمح بتخفيف الاحتكاك وتسهيل الوساطات عند الضرورة.
ضمن هذا السياق، لا يبدو تصريح لاريجاني انعطافًا مفاجئًا بقدر ما هو رسالة مزدوجة: من جهة، تأكيد أن إيران لا تُغلق باب السياسة، ومن جهة أخرى، نزع الذريعة من واشنطن التي تحاول تصوير طهران كطرف رافض لأي حل سياسي ودبلوماسي . فإيران، وهي تدرك أن الشروط الأميركية المطروحة أقرب إلى الإملاءات منها إلى التفاوض، لا تسعى إلى اتفاق بأي ثمن، لكنها في الوقت نفسه تراهن على أن الوقت يعمل لمصلحتها، وأن كلفة الحرب على خصومها أعلى بكثير من كلفة الصمود.
في المحصلة، لم يصل التوتر بين طهران وواشنطن إلى نقطة الانفجار، لكنه دخل مرحلة سيولة سياسية لم يعد فيها التصعيد العسكري مسارًا حتميًا. فالحشود الأميركية لم تتحول إلى قرار، والتصريحات النارية بقيت معلّقة بين التهديد والتراجع، فيما استطاعت إيران أن تجمع بين الردع والانفتاح السياسي من دون أن تُظهر استعدادًا للتنازل تحت الضغط. من هنا، يمكن القول إن ما فُتح ليس بابًا واسعًا للتفاوض، بل مساحة محسوبة لإدارة الصراع، تُبقي المواجهة مؤجّلة، وتضع السياسة – ولو مؤقتًا – في الواجهة.