الحرب الذكية… والفشل الغبي: وهم إسقاط إيران

 الحرب الذكية… والفشل الغبي: وهم إسقاط إيران

الحرب الذكية… والفشل الغبي: وهم إسقاط إيران

علي منصور – ليبانغيت

ليست المشكلة في قدرة الولايات المتحدة و«إسرائيل» على ضرب الخصوم، بل في التحوّل العميق في منطق استخدام القوة. لم تعد الحرب تُعرَّف بالغزو البري أو احتلال العواصم، بل بقدرة القوى العظمى على انتزاع القرار السياسي من داخل الدولة نفسها، ولو بقيت مؤسساتها قائمة شكليًا.

فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى اجتياح بري كي تخوض حربًا شاملة على إيران. والسؤال الأخطر ليس كيف يمكن شنّ الحرب، بل هل يمكن أن تُسقط نظامًا؟

في زمن الحروب غير التقليدية، يُسوَّق إسقاط الدول كمسألة تقنية: ضغطة سيبرانية، ضربة دقيقة، اضطراب داخلي يُدار إعلاميًا… ثم يسقط النظام. هذا الوهم بالذات هو ما يجعل أي مواجهة مقبلة مع إيران أخطر بكثير مما يُقدَّم للرأي العام.

حرب غير تقليدية… بأهداف تقليدية

حين يُطرح سيناريو الحرب من دون غزو بري، لا يعني ذلك حربًا أخفّ، بل حربًا مختلفة في الأدوات لا في الغايات. الهدف المعلن قد يكون البرنامج النووي أو الردع الصاروخي؛ أمّا الهدف الفعلي فهو كسر الدولة من الداخل عبر تعطيل الحكم، وتفكيك التماسك، ودفع المجتمع إلى حافة الانهيار السياسي.

لكن هذه المقاربة تقوم على فرضية أن الدولة الحديثة تسقط بتعطيل أنظمتها وإشعال شارعها. إيران، منذ أكثر من  أربعة عقود، بُنيت على نقيض هذه الفرضية.

الرد الإيراني… ولماذا لا يأتي كما يُتوقَّع

الافتراض السائد بأن الرد الإيراني سيكون مباشرًا ومحدودًا يتجاهل خبرة دولة عاشت العقوبات والحصار والحرب بالوكالة والضربات السرية. أي مواجهة غير تقليدية ستقابلها شبكة ردود من خلال تثبيت الردع لا النصر السريع، وتوسيع ساحات الاشتباك بدل حصرها، ورفع الكلفة سياسيًا واقتصاديًا، ودمج القبضة الأمنية بتعبئة قومية.

الخطأ الأكبر هو الاعتقاد أن الضغط الخارجي يُضعف التماسك الداخلي تلقائيًا ، بينما كثيرًا ما يفعل العكس.

إسقاط النظام شعبيًا؟ السؤال الخطأ

السؤال ليس حجم التأييد الشعبي، بل قابلية الدولة للتفكك تحت الحرب.

الاحتجاجات موجودة والأزمات حقيقية، لكنها لم تتحول إلى بديل سلطوي ولا إلى انقسام حاسم داخل مؤسسات الدولة الصلبة. وعندما تتحول المواجهة إلى حرب خارجية، يعاد تأطير الصراع من خلاف داخلي إلى مواجهة مع «العدوان»، بما يعيد إنتاج تماسك قسري حول الكيان.

التاريخ واضح ، فالأنظمة التي تسقط بالحرب هي تلك التي تنقسم نخبها أو تتفكك أجهزتها. هذا الشرط لم ينضج في إيران.

استثمار الاحتجاجات: سلاح ذو حدين

الرهان على «تفعيل الداخل» محفوف بالمفارقة. كلما كان التدخل الخارجي أوضح، فقدت الاحتجاجات استقلاليتها، واتسعت قدرة الدولة على وصمها، وتراجعت فرص تحوّلها إلى قوة تغيير. الحرب لا تؤجج  الشارع ، إنما غالبًا تؤمّمه.

إسرائيل: اختراقات تكتيكية وحدود سياسية

الاختراق الاستخباراتي—حتى العميق—لا يساوي السيطرة. الفرق شاسع بين إرباك منظومة وتفكيك دولة ذات بنية أمنية–عقائدية متشابكة. التاريخ مليء بأمثلة دول تعرّضت لاختراقات أخطر وبقيت.

فنزويلا: من الضغط إلى السيطرة المباشرة

مطلع العام الحالي  ، شهد العالم سابقة سياسية: أسر   رأس الدولة الفنزويلية ونقله  للمحاكمة  في  نيويورك . الأهم من الحدث نفسه هو دلالته في الانتقال من العقوبات والإخضاع الاقتصادي إلى إدارة مباشرة للحظة الحسم. الدولة لم تُفكَّك، لكنها وُضعت أمام واقع جديد .  رأس  السلطة خارج الحدود، والقرار السيادي تحت وصاية القوة.

العراق وليبيا وفنزويلا: دروس لا تُستنسخ

العراق سقط بالغزو فانهارت الدولة. ليبيا سقطت بضربات جوية فتفكك الكيان. فنزويلا قدّمت نموذجًا مختلفًا: إبقاء الدولة قائمة مع نزع سيادتها. هذا ليس استنساخًا لأي نموذج سابق، بل صيغة جديدة أشدّ التباسًا.

لماذا هذا خطير عند الحديث عن إيران؟

لأن إيران أقرب إلى فنزويلا منها إلى ليبيا، لكنها أكثر صلابة وتعقيدًا: دولة مؤسسات، جهاز أمني–عقائدي متماسك، ذاكرة حرب طويلة، ونفوذ إقليمي عميق. إسقاطها لا يمرّ بضربة واحدة ولا بفوضى داخلية مُدارة، بل بمحاولة كسر مركز القرار—وهو مسار يفتح باب فوضى سيادية قد تتجاوز الحدود.

ما جرى في فنزويلا ليس حادثًا معزولًا، بل اختبارًا لتطبيع فكرة أن السيادة لم تعد خطًا أحمر، وأن القوة يمكن أن تحلّ محل السياسة، والخداع  محل التفاوض، والضربة الذكية محل الحلّ المستدام.

إذا كان ما جرى في فنزويلا قد كشف حدود السيادة في عالم اليوم، فإن إيران تكشف حدود القوة نفسها. فالدولة التي صُمِّمت لتعيش تحت الحصار لا تُسقَط بضربة ذكية، والنظام الذي تشكّل في ظلّ الحرب لا ينهار بحرب غير تقليدية. في إيران، لا يكمن التحدي في إسقاط النظام، بل في استحالة ذلك من الخارج؛ فهو ليس رأسًا يمكن فصله، بل بنية متجذّرة في الدولة والمجتمع والتاريخ. أقصى ما يمكن فعله هو إنهاكه لا إسقاطه، وأي محاولة لكسره بالقوة لن تُنتج تغييرًا سياسيًا، بل ستفتح مسارًا طويلًا من الفوضى بلا منتصر، وقد يكسر معه الإقليم بأكمله.

مقالات ذات صلة