الطريق إلى بكين يمرّ عبر طهران

 الطريق إلى بكين يمرّ عبر طهران

الطريق إلى بكين يمرّ عبر طهران

علي منصور – ليبانغيت

من الخليج إلى بحر الصين الجنوبي: معركة القرن على خرائط الطاقة والممرات البحرية

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة والصين مجرد تنافس تجاري أو سباق تكنولوجي، بل تحولت إلى صراع جيوسياسي شامل يحدد من يكتب قواعد النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين. وفي قلب هذا الاشتباك الكبير، تبرز إيران بوصفها حلقة مفصلية في استراتيجية الضغط الأميركية على بكين. فإيران ليست مجرد خصم إقليمي لواشنطن، بل عقدة طاقة استراتيجية، وجسرًا بريًا في مشروع “الحزام والطريق”. فهي تمثل نقطة ارتكاز تتواجه عندها استراتيجيتان متعارضتان: احتواء تقوده واشنطن وتل أبيب، وتمدد تدعمه بكين وموسكو.

من الخليج، حيث يمر نحو خُمس نفط العالم عبر مضيق هرمز، إلى بحر الصين الجنوبي الذي تعبره غالبية واردات الصين النفطية عبر مضيق ملقا، تمسك واشنطن بطرفي كماشة جيوسياسية دقيقة. فإذا نجحت في تحجيم طهران، فإنها لا تضرب خصمًا إقليميًا فحسب، بل تقطع شريانًا حيويًا من شرايين الاقتصاد الصيني، برًا وبحرًا معًا. هنا تحديدًا تتضح طبيعة المعركة: ليست حربًا على إيران وحدها، بل صراعًا على مستقبل الهيمنة العالمية.

في شهر آذار /مارس 2021، وقّعت الصين وإيران اتفاقية تعاون استراتيجي لمدة 25 عامًا، تقوم على معادلة النفط الإيراني بأسعار تفضيلية مقابل استثمارات صينية واسعة في البنية التحتية والطاقة والموانئ والاتصالات. ومع مرور الوقت، أصبحت بكين المستورد الأكبر للنفط الإيراني، ما جعل العلاقة تتجاوز حدود التبادل التجاري إلى شراكة بنيوية في مشروع صيني أوسع لإعادة رسم خرائط التجارة والطاقة. إيران، في هذا السياق، ليست مجرد مورّد، بل عقدة مركزية في شبكة تربط آسيا الوسطى بالخليج، وتفتح ممرًا بريًا نحو المتوسط. أي ضربة قاسية لإيران تعني تلقائيًا إصابة أحد أهم الشرايين الاستراتيجية للصين.

غير أن المسألة لا تقف عند حدود الطاقة. فالتقاطع بين المصالح الأميركية والإسرائيلية يمنح هذا الملف بعدًا إضافيًا. بالنسبة لإسرائيل، تمثل إيران التهديد الاستراتيجي الأول بسبب برنامجها النووي وترسانتها الصاروخية ودعمها لقوى المقاومة في المنطقة . أما واشنطن، فتقرأ المشهد من زاوية أوسع. فإضعاف طهران يساوي إضعاف أحد أعمدة الحضور الصيني في الشرق الأوسط. وهنا تتقاطع الحسابات . ففي لقاءاته المتكررة مع نتنياهو، لم يكن ترامب يكرر لازمة “الضغط الأقصى” بقدر ما كان يعيد تثبيت خيار استراتيجي يعتبر أن إخضاع إيران نوويًا هو مدخل لإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة وقطع أحد أهم مسارات النفوذ الصيني. في هذا الإطار، تبدو أي ضربة لإيران “مزدوجة الغرض”: ترضي وتطمئن إسرائيل، وتضرب في الوقت نفسه شريانًا حيويًا للصين.

هذا النمط ليس جديدًا في الاستراتيجية الأميركية. خلال الحرب الباردة، استخدمت واشنطن إسرائيل كرافعة متقدمة في مواجهة النفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط، لا سيما في سياق الصراع مع أنظمة مدعومة من موسكو مثل مصر والعراق وسوريا . اليوم يتكرر المشهد بصيغة مختلفة. فالخصم لم يعد الاتحاد السوفييتي بل الصين، والساحة لم تعد بغداد او دمشق او القاهرة بل طهران. الفارق أن الصين تبني نفوذها أساسًا عبر الاقتصاد والطاقة، ما يجعل استهداف إيران وسيلة غير مباشرة لاحتواء بكين دون مواجهة مباشرة معها.

ضمن هذا الاشتباك المتعدد المستويات، يبرز الدور الروسي بوصفه عنصرًا مكملًا للمثلث الاستراتيجي . فإذا كانت الصين تمثل العمود الاقتصادي، فإن روسيا تضطلع بدور أمني وعسكري متزايد. التعاون بين موسكو وطهران تعمّق في السنوات الأخيرة، سواء عبر صفقات تسليح أو تنسيق سياسي في مجلس الأمن. كما شاركت الدول الثلاث في مناورات بحرية مشتركة في مضيق هرمز، في رسالة واضحة مفادها أن أي محاولة لعزل إيران لن تمر دون رد استراتيجي من محور أوسع. ومع ذلك، يبقى هذا التنسيق دون مستوى التحالف الدفاعي الصريح، ما يترك هامشًا من الغموض حول حدود الإنغماس الروسي–الصيني في حال اندلاع مواجهة واسعة.

قلق واشنطن من هذا التشابك يرتبط أيضًا بالصعود الصيني المتعدد الأبعاد. فالصين لم تعد مجرد مصنع العالم، بل أصبحت أكبر شريك تجاري لعشرات الدول، ووسّعت استثماراتها عبر مبادرة الحزام والطريق، وعززت حضور عملتها في المبادلات الدولية. تكنولوجيًا، حققت قفزات في مجالات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم. عسكريًا، طورت قدراتها البحرية والصاروخية، وبنت قواعد خارجية، وعززت قدرتها على تهديد التفوق البحري الأميركي في غرب المحيط الهادئ. هذا الصعود المركّب جعل قطاعات واسعة في المؤسسة الأميركية تنظر إلى بكين كخصم وجودي، لا كمنافس فقط.

في المقابل، تعيش الولايات المتحدة مأزقًا اقتصاديًا متفاقمًا مع تجاوز دينها العام عتبة 38 تريليون دولار. صحيح أن الاقتصاد الأميركي لا يزال الأكبر عالميًا، لكن تراكم الديون والعجز المالي يثيران أسئلة حول استدامة الهيمنة طويلة الأمد. بعض التقديرات ترى أن اللجوء إلى أدوات القوة الصلبة قد يُستخدم لإعادة ترسيخ التفوق الجيوسياسي حين تتآكل أدوات النفوذ الاقتصادي. غير أن هذا الخيار محفوف بمخاطر هائلة. فأي تصعيد في الخليج قد يرفع أسعار الطاقة عالميًا، ويهز الأسواق، ويفتح الباب أمام تدخلات روسية وصينية غير مباشرة.

بالتوازي مع الضغط على إيران، تحاصر واشنطن الصين في خاصرتها البحرية.
فالولايات المتحدة تعزز وجودها العسكري في اليابان والفلبين، وتكثف دورياتها في بحر الصين الجنوبي، حيث تمر نسبة ضخمة من تجارة الصين وإمداداتها النفطية. إذا كانت إيران تمثل العقدة البرية في شبكة الطاقة الصينية، فإن بحر الصين الجنوبي هو شريانها البحري. وفي الحالتين، تسعى واشنطن إلى إبقاء حركة بكين تحت المراقبة والضغط المستمر.

في المحصلة، ما يجري ليس حرباً على طهران وحدها، ولا مجرد شد حبال بين واشنطن وبكين. إنه صراع على من يسيطر على الطاقة، ومن يتحكم بالممرات البحرية، ومن يملك القدرة على فرض قواعد الاقتصاد العالمي. بين غرفة عمليات ترامب–نتنياهو من جهة، وتنسيق موسكو–بكين–طهران من جهة أخرى، تتشكل ملامح مرحلة انتقالية كبرى.

إذا نجحت الولايات المتحدة في تحجيم إيران أو إخراجها من المعادلة الاستراتيجية، فإنها لا تضعف خصمًا إقليميًا فحسب، بل تضرب أحد أهم مسارات الطاقة التي تعتمد عليها الصين، وتعيد تثبيت قدرتها على التأثير في تدفقات النفط نحو آسيا. أما إذا تمكنت الصين، بدعم روسي، من حماية إيران ومنع اسقاطها وعزلها، فإنها تكون قد كسرت جزءًا أساسيًا من استراتيجية الاحتواء الأميركية، ورسّخت نموذجًا دوليًا أقل خضوعًا للهيمنة الغربية.

المعادلة إذن تتجاوز طهران نفسها. إنها تتعلق بمن يملك القدرة على تأمين الطاقة أو تعطيلها، مراقبة الملاحة أو تهديدها، فرض العقوبات أو الالتفاف عليها. الخليج يمثل عقدة الطاقة العالمية، وبحر الصين الجنوبي يمثل شريان التجارة الآسيوية. السيطرة أو التأثير الحاسم في هذين المجالين يمنح أفضلية استراتيجية طويلة الأمد.

بعبارة أخرى ، مستقبل ميزان القوى في القرن الحادي والعشرين سيتحدد وفق قدرة كل طرف على حماية مصالحه في هذه المفاصل الحيوية، ووفق القدرة على فرض الوقائع الجيوسياسية وإدارتها على المدى الطويل. هنا يتم اختبار النفوذ الحقيقي، وهنا تتشكل معادلة القوة التي ستحكم النظام العالمي في العقود القادمة.

مقالات ذات صلة