ترامب ومنطق الهيمنة: من فنزويلا إلى غرينلاند… ومن تطويق الصين إلى اختبار صبر روسيا وإيران

 ترامب ومنطق الهيمنة: من فنزويلا إلى غرينلاند… ومن تطويق الصين إلى اختبار صبر روسيا وإيران

ترامب ومنطق الهيمنة: من فنزويلا إلى غرينلاند… ومن تطويق الصين إلى اختبار صبر روسيا وإيران

علي منصور – ليبانغيت

لم تعد سياسات دونالد ترامب الخارجية تُقرأ بوصفها ردود أفعال ظرفية أو نزوات شخصية، بل باتت تُفهم كملامح مشروعٍ متكامل يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوة العالمية على قاعدة  السبق بالقوة قبل اكتمال توازن الخصوم. من أميركا اللاتينية إلى القطب الشمالي، ومن الشرق الأوسط إلى شرق آسيا، تتقاطع الملفات لتكشف منطقًا واحدًا يخنق المنافسين، ويقطع سلاسلهم الحيوية، ويفرض وقائع سياسية واقتصادية يصعب التراجع عنها.

فنزويلا: بوابة إعادة إخضاع أميركا اللاتينية

فنزويلا ليست دولة نفطية فحسب، بل تمثّل مفتاحًا رمزيًا لهيبة واشنطن في نصف الكرة الغربي. أي اختراق حاسم هناك يعني إعادة تثبيت مبدأ “الحديقة الخلفية” الأميركية، وتوجيه رسالة مباشرة إلى كوبا وكولومبيا والبرازيل بأن زمن التمرّد على الإرادة الأميركية قد انتهى.

الخطوات اللاحقة لا تقوم على الغزو العسكري المباشر، بل على تطويق اقتصادي وأمني ذكي، عبر تشديد العقوبات وإعادة هندسة التحالفات الإقليمية واستثمار الانقسامات الداخلية لفرض نخب سياسية أكثر قابلية للانضباط.

غرينلاند: لماذا الضمّ لا الاتفاق؟

إصرار ترامب على طرح ضمّ غرينلاند، بدل الاكتفاء باتفاقية أمنية، يكشف جوهر الرؤية. الاتفاق يعني شراكة وإدارة مشتركة، أما الضمّ فيعني سيادة كاملة وتحكّمًا طويل الأمد.

أمنيًا، لا حاجة فعلية للضمّ ، فالولايات المتحدة تمتلك حضورًا عسكريًا وقدرات إنذار مبكر في الجزيرة، كما أن المنظومة الأطلسية تتحرك تلقائيًا في حال تعرّضت واشنطن لهجوم.

إذًا، الدافع الحقيقي يتجاوز الأمن المباشر إلى الجيوسياسة والجيواقتصاد ، عبر  التحكم  بممرات القطب الشمالي، والسطو  على مناجم المعادن  النادرة، والسيطرة على خطوط   الملاحة الجديدة، ومنع تمدّد النفوذ الروسي والصيني في خاصرة أوروبا الشمالية. الضمّ هنا ليس لحماية أميركا فقط، بل لإعادة ترتيب أوروبا من موقع التفوّق الأميركي.

الصين: الخنق قبل الاكتمال

الهدف المركزي في هذه الاستراتيجية هو الصين، لا عبر حرب شاملة، بل عبر محاصرتها بحريًا ومنعها من التحوّل إلى قوة اقتصادية عالمية مكتملة. فواشنطن تعمل على بناء طوق ضاغط حول الصين، يخنق حركتها التجارية ويضع أمن طاقتها وسلاسل توريدها تحت التهديد الدائم، من دون إطلاق رصاصة واحدة.

في هذا الإطار، تلعب اليابان والفيليبين دورًا محوريًا بوصفهما ركيزتين أساسيتين في الاستراتيجية الأميركية لاحتواء الصين. فاليابان، بقواعدها العسكرية المتقدمة وموقعها  المشرف على الممرات الحيوية في بحر الصين الشرقي، تتحوّل إلى منصة ردع دائمة تُقيّد حركة الأسطول الصيني وتراقب تمدّده البحري. أمّا الفيليبين، فتمثّل حلقة حسّاسة في جنوب شرق آسيا، إذ يتيح انتشار القوات الأميركية على أراضيها التحكم بمداخل بحر الصين الجنوبي، وهو الشريان الذي تمرّ عبره النسبة الأكبر من تجارة الصين الخارجية ووارداتها من النفط الخام.

هذا الانتشار الأميركي لا يهدف إلى منع الصين من غزو تايوان عسكريًا فحسب، بل إلى تحويل هذا التهديد إلى عبء استراتيجي ثقيل. فكلما لوّحت بكين بخيار الغزو، ازدادت واشنطن تشديدًا في تطويقها بحريًا، وتعزيز وجودها العسكري، ورفع مستوى التنسيق مع حلفائها الإقليميين. وهكذا، يتحوّل التهديد الصيني من ورقة ضغط إلى عامل استنزاف يرفع كلفة التأمين والشحن، يُربك الاستثمارات، ويفتح على الصين جبهات ضغط متعددة في آنٍ واحد.

بهذا المعنى، تستخدم الولايات المتحدة تايوان كأداة لإجبار الصين على العيش داخل فخّ جيوسياسي . فإمّا التراجع عن خطاب “إعادة التوحيد بالقوة” بما يحمله من كلفة داخلية وسيادية، وإمّا الاستمرار في التلويح بالحرب، ما يمنح واشنطن الذريعة الكاملة لتطويق الصين بحريًا، وخنق اقتصادها تدريجيًا، ومنعها من استكمال صعودها كقوة عالمية منافسة.

روسيا: استنزاف أم كمين مؤجَّل؟

يُفترض، في القراءة السائدة، أن موسكو باتت مقيَّدة بفعل تورّطها في المستنقع الأوكراني، وأن الحرب استنزفت قدراتها إلى حدّ تقليص هامش مناورتها الدولية. غير أن هذا الافتراض، على شيوعه، يتجاهل نمطًا تاريخيًا متكررًا في السلوك الروسي : روسيا  تبلغ أضعف لحظاتها قبل أن  تنتفض وتنقضّ.

التاريخ الروسي حافل بأمثلة على هذا النمط. عندما غزا نابليون روسيا عام 1812، بدت الإمبراطورية الروسية عاجزة عن المواجهة المباشرة. تراجعت قواتها، أُحرقت المدن، وسقطت موسكو نفسها. في تلك اللحظة، اعتقد نابليون أنه انتصر. لكن روسيا لم تكن تنسحب هزيمةً، بل تستدرج الجيش الفرنسي وتحتويه . مع اتساع المسافات، وانهيار خطوط الإمداد، وقسوة  الشتاء الجليدي  ، تحوّل الجيش الفرنسي من قوّة غازية إلى كتلة منهكة، قبل أن تنقضّ عليه القوات الروسية وتحوّل حملته إلى واحدة من أكثر الهزائم كارثية في التاريخ العسكري الأوروبي.

المشهد تكرّر بصورة أكثر دموية خلال الحرب العالمية الثانية. حين اجتاح الجيش الألماني الأراضي السوفياتية، وصلت القوات النازية إلى مشارف موسكو، وبدا أن الاتحاد السوفياتي على وشك الانهيار. ملايين القتلى، خسائر هائلة، ومدن مدمّرة. مرة أخرى، قرأ الخصم الضعف الروسي بوصفه نهاية. لكن ما تلا كان انقلابًا استراتيجيًا كاملًا . استوعبت روسيا الصدمة، قامت بتعبئة شاملة، نقلت الصناعة شرقًا، ثم قامت بهجوم معاكس حاسم حوّل الجيش الألماني من قوّة لا تُقهر إلى جيش مسحوق، وصولًا إلى سقوط برلين نفسها.

هذه ليست حوادث معزولة، بل نمط متكرّر. روسيا دولة تتحمّل الضربات الطويلة، وتخسر في المدى القصير، لكنها تراكم القدرة على الردّ في الزمن البعيد. حتى في الحرب الباردة، لم تواجه موسكو الولايات المتحدة مواجهة مباشرة، بل استنزفتها عبر حروب الأطراف، والدعم غير المباشر، والضغط الطويل، إلى أن تحوّل الصراع إلى عبء اقتصادي وسياسي متراكم على الطرفين.

ولعلّ المثال الأوضح على سوء تقدير روسيا هو تفكّك الاتحاد السوفياتي نفسه. فحين انهار الكيان السوفياتي مطلع التسعينيات، ساد اعتقاد عالمي بأن روسيا خرجت نهائيًا من التاريخ كقوة عظمى، وأن ما تبقّى منها ليس سوى دولة منهكة، منكمشة، تعيش على هامش النظام الدولي الجديد. جرى التعامل مع الانهيار بوصفه نهاية، لا كمرحلة انتقالية، وتحوّل “ما بعد السوفيات” في الوعي الغربي إلى مرادف دائم للضعف الروسي.

غير أن ما بدا انهيارًا نهائيًا كان، في جوهره، انكفاءً قسريًا لإعادة التشكّل. فروسيا التي خسرت إمبراطوريتها، ونفوذها العالمي، أعادت خلال ثلاثة عقود بناء عناصر قوتها بهدوء وبمنطق مختلف: استعادة الدولة المركزية، إعادة ضبط الجيش، استثمار الطاقة كسلاح جيوسياسي، والعودة التدريجية إلى الساحات التي قيل إنها طُويت إلى الأبد. وهكذا، عاد اللاعب الذي أُعلن موته إلى الطاولة، لا كنسخة سوفياتية قديمة، بل كقوة عالمية صلبة بوسائل جديدة.

بهذا المعنى، لا يشكّل انهيار الاتحاد السوفياتي استثناءً في التاريخ الروسي، بل أحد تجلياته . لحظة اعتقد فيها العالم أن روسيا انتهت، فإذا بها تعود بعد سنوات، أقل أيديولوجية، أكثر براغماتية، وأشدّ استعدادًا لاستخدام القوة حين ترى أن توازنات النظام الدولي تُعاد صياغتها على حسابها.

وإذا كان هذا الدرس قد تكرّر بعد نابليون، وبعد هتلر، ثم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فإن الرهان اليوم على أن استنزاف روسيا في أوكرانيا سيُخرجها نهائيًا من المعادلة يبدو، مرة أخرى، رهانًا على ذاكرة قصيرة في مواجهة تاريخ طويل. فالمقاربة الأميركية، وإن بدت منطقية في الحسابات العسكرية الآنية، تنطوي على مخاطرة استراتيجية كبرى: الاستنزاف لا يضمن الانهيار، بل قد يُنتج تحوّلًا في شكل المواجهة قد تنقل معه  روسيا  الصراع من الجبهات التقليدية إلى ميادين أكثر إرباكًا وأقل قابلية للضبط، من الطاقة والغذاء، إلى الفضاء السيبراني، وصولًا إلى ساحات الجنوب العالمي حيث يصعب حسم الصراع أو احتواؤه.

في هذا السياق يُفهم تعاطي إدارة ترامب “اللين” نسبيًا مع موسكو. هذا السلوك لا يعكس ثقة أو شراكة، بل قراءة براغماتية للتاريخ . فروسيا ليست قوة صاعدة بمشروع اقتصادي عالمي منافس، لكنها أيضًا ليست خصمًا يُدفَع إلى الزاوية بلا ثمن. دفعها إلى الانهيار الكامل قد يُنتج ردودًا غير محسوبة، أو تصعيدًا خارج الحسابات التقليدية، أو اندفاعًا أعمق نحو تحالف عضوي مع الصين.

ومن هنا أيضًا يُوظَّف “الخطر الروسي” كذريعة في ملف غرينلاند. التلويح بروسيا لا يعني أن واشنطن ترى فيها التهديد الوجودي الأول، بل تستخدم صورتها التاريخية كقوة عسكرية قادرة على المفاجأة لتبرير خطوات توسّعية كبرى في القطب الشمالي. الخطر الروسي هنا وظيفي . أداة خطابية واستراتيجية تفتح الباب أمام السيطرة على الموارد والممرات البحرية، لا إعلان حرب باردة جديدة.

الخلاصة أن روسيا، تاريخيًا،لا يمكن  قياس قوتها  بمعايير اللحظة. هي تبدو ضعيفة حين تتلقى الضربات الأولى، لكنها تتحوّل إلى خصم خطِر عندما يُعتقد أنها استُنزفت بالكامل. وإذا كان ترامب يراهن على أن المستنقع الأوكراني قيّد موسكو نهائيًا، فإن تاريخ نابليون وهتلر وانهيار المنظومة الشرقية،  يُذكّر بأن أسوأ لحظة في الحسابات مع روسيا هي اللحظة التي يُعتقد  فيها أنها خرجت من المعادلة.

إيران: الحلقة المزعجة في مشروع الهيمنة

في خريطة الهيمنة التي يرسمها ترامب، تحتلّ إيران موقعًا مختلفًا عن فنزويلا والصين وروسيا. فهي ليست قوة عظمى صاعدة، ولا إمبراطورية منهكة، ولا دولة هامشية قابلة للإخضاع السريع، بل عقدة استراتيجية تقف في منتصف الطرق التي تحاول واشنطن السيطرة عليها. إيران تمثّل تقاطعًا حساسًا بين الطاقة، والجغرافيا، والأيديولوجيا، وشبكات النفوذ الإقليمي، ما يجعلها عقبة لا يمكن تجاوزها ولا ابتلاعها بسهولة.

الرهان الأميركي لا يقوم على إسقاط إيران بضربة واحدة، بل على استنزافها وتطويقها وإبقائها في حالة دفاع دائم. العقوبات، الحرب النفسية، دعم الاضطرابات الداخلية، والضربات الإسرائيلية الموجعة …كلّها أدوات في استراتيجية تهدف إلى كسر الإرادة لا إلى تغيير النظام مباشرة. فإيران التي صمدت لعقود من الحصار والحروب بالوكالة أثبتت أنها لا تنهار سريعًا، لكن واشنطن تراهن على إنهاك طويل يجعلها أقل قدرة على المبادرة وأكثر انشغالًا بذاتها.

الخطر بالنسبة لواشنطن لا يكمن فقط في إيران كدولة، بل في نموذجها كدولة محاصَرة نجحت في بناء منظومة ردع قوية وفعّالة ، ووسّعت نفوذها الإقليمي من دون غطاء دولي، وفرضت نفسها لاعبًا لا يمكن تجاهله في معادلات الشرق الأوسط. هذا النموذج، إذا تُرك دون كبح، يُقوّض فكرة أن السيطرة العالمية تمرّ حصرًا عبر المؤسسات الغربية والتحالفات الأميركية.

لهذا، تُشكّل إسرائيل رأس الحربة التنفيذية في التعامل مع إيران. فتل أبيب تؤدّي وظيفة مزدوجة عبر الضغط العسكري والأمني ، وإبقاء إيران تحت تهديد دائم يمنعها من تحويل فائض قوتها إلى مشروع توسّعي مباشر. وفي المقابل، تستفيد واشنطن من هذا الاشتباك المضبوط لتبقى في موقع “المدير من الخلف”، تُحرّك الخطوط الحمراء من دون أن تتحمّل كلفة الانفجار.

لكن المفارقة أن إيران، بخلاف خصوم واشنطن الآخرين، لا تنتظر اكتمال الحصار بصمت. فهي تعمل على توسيع هامش المبادرة عبر الردع غير المتكافئ، وتعدد الساحات، وتعميق علاقاتها مع الشرق، من روسيا إلى الصين، من دون الانخراط في تحالف صلب قد يجرّها إلى مواجهة شاملة في توقيت غير محسوب. إيران هنا ليست في موقع الانكسار، ولا في موقع الهجوم الكاسح، بل في منطقة وسطى خطِرة: الصمود الطويل مع الاستعداد للانقضاض إذا فُرضت المواجهة.

الهيمنة كسباق مع الزمن

ما يجمع فنزويلا، وغرينلاند، والصين، وروسيا، وإيران، ليس التناقض في الملفات، بل وحدة المنطق. ترامب لا يتعامل مع العالم كمنظومة توازنات، بل كساحة سباق . من يسبق يفرض الشروط، ومن يتأخّر يُحاصَر. السبق بالقوة، قبل اكتمال قوة الخصوم، هو جوهر هذه الاستراتيجية.

غير أن هذا المنطق يحمل في داخله تناقضه القاتل. فالضغط المتزامن على قوى مختلفة قد يمنع تحالفها في المدى القصير، لكنه في المدى البعيد يسرّع وعيها المشترك بالخطر. السيطرة قد تنجح حين تكون مجزّأة، لكنها تفشل حين تتحوّل إلى شعور جماعي بالتهديد الوجودي.

العالم اليوم لا يعيش لحظة استقرار، بل لحظة سيولة استراتيجية. الولايات المتحدة تحاول إعادة ترتيب النظام الدولي من موقع القوة، لكن خصومها، كلّ بطريقته، يتعلّمون كيف يصمدون، وكيف يناورون، وكيف ينتظرون اللحظة المناسبة. الهيمنة ليست قرارًا يُعلَن، بل توازنًا يُحافَظ عليه. وحين يصبح الحفاظ عليه مكلفًا أكثر من فقدانه، تبدأ الإمبراطوريات بالارتباك.

قد ينجح ترامب في فرض وقائع صلبة، وقد يربح جولات مؤلمة لخصومه، لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو:

هل يستطيع العالم تحمّل مشروع هيمنة يُدار بمنطق السبق وحده، أم أن هذا السبق نفسه سيقود إلى لحظة تلاقي الخصوم، حيث تتحوّل السيطرة إلى عبء، والقوة إلى عامل تسريع لانفجار النظام الذي تسعى واشنطن  إلى حكمه؟

مقالات ذات صلة