ترامب يضغط على الساعة… وطهران تراهن على الزمن

 ترامب يضغط على الساعة… وطهران تراهن على الزمن

ترامب يضغط على الساعة… وطهران تراهن على الزمن

علي منصور – ليبانغيت

لم يكن جوهر تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخير في عدد الأيام التي حدّدها لإيران كي تنجز اتفاقًا يرضيه – عشرة إلى خمسة عشر يومًا – بل في المعنى الذي حمّله لهذه المهلة. فهي لم تُطرح كإطار زمني تقني، بل كأداة ضغط ضمن معادلة تفاوض غير متكافئة، تحوّلت فيها المهلة من مساحة نقاش إلى أداة إكراه سياسي وتهديد عسكري بالحرب .

حين نطق بهذه المهلة، بدا وكأنه يضع ساعةً رمليةً على طاولة المفاوضات ويقلبها أمام العالم. غير أنّ هذه ليست ساعةً مستقرة يُقاس فيها الوقت بهدوء، بل ساعة موصولة بحاملتي طائرات، وبأسراب مقاتلات، وأساطيل بحرية، وغواصات نووية، وخطط عمليات قد تمتد لأسابيع وربما لأشهر.

الزمن هنا ليس انتظارًا… بل ضغطًا تحت ظلال القوة.

ليس مهلةً تقنية، بل عدًّا تنازليًا تحرسه الأساطيل .

بهذا المعنى، لا تتحوّل الأيام العشرة إلى مجرد إطار تفاوضي، بل إلى جزءٍ عضوي من «سلّم الأدوات» الأميركية: دبلوماسية مشروطة في الواجهة، وقبضة عسكرية جاهزة في الخلفية. وكلّ حبّة رمل تسقط لا تعني مرور الوقت فحسب، بل محاولة فرض إيقاع سياسي على طرفٍ اعتاد أن يفاوض من موقع الصبر الاستراتيجي.

الضربة كاحتمال… أم كرهان محفوف بالمخاطر؟

السؤال ليس إن كان خيار الضربة مطروحًا، بل ما إذا كان قابلًا لتحقيق أهدافه. السيناريو الأكثر تداولًا هو ضربة محدودة و«جراحية»، تستهدف منشآت نووية أو بنى دفاعية بهدف إحداث صدمة تُعيد طهران إلى طاولة المفاوضات بشروط أقل.

غير أن هذا التصور يفترض معادلة غير دقيقة: أن إيران ستتلقى الضربة ثم تعود سريعًا إلى التفاوض تحت الضغط. التجربة الإقليمية تشير إلى عكس ذلك. فطهران، خلال العقود الماضية، بنت شبكة ردع متشعبة، عسكرية وسياسية، تجعل أي ضربة – حتى لو كانت محدودة – حدثًا مفتوح النتائج.

أما خيار الحملة الممتدة، فهو يحمل مخاطر تصعيد يصعب احتواؤه، خصوصًا إذا اتسع الرد الإيراني جغرافيًا أو سياسيًا.

في ميزان السياسة، قد تبدو الضربة المحدودة خيارًا سريعًا ومغريًا من زاوية داخلية أميركية، لكنها من زاوية إقليمية قد تكون مقامرة على استقرار هشّ.

هل يمكن ضبط النار… أم أن النار ستضبط الجميع؟

بدء الضربة قرار أحادي، لكن مسارها تفاعلي. وهنا تكمن نقطة القوة الإيرانية. فطهران لا تحتاج إلى حرب شاملة كي ترد، يكفيها أن تُبقي الرد تحت العتبة، وأن تفرض كلفة تدريجية ومتراكمة.

إيران تملك أدوات رد متنوعة: من الضغط البحري في مضيق هرمز، إلى استهداف مصالح عسكرية ضمن حدود محسوبة، إلى تفعيل شبكات نفوذ إقليمية بطرق غير مباشرة. هذه المرونة تمنحها هامشًا للمناورة، وتجعل فكرة «الضربة النظيفة» أقرب إلى تصور نظري منها إلى واقع مضمون.

الأخطر بالنسبة لواشنطن ليس الضربة الأولى، بل ما بعدها. سقوط قتلى أميركيين، أو اضطراب واسع في الملاحة والطاقة، أو توسع الاشتباك ليشمل أطرافًا أخرى، قد يخرج المشهد من حسابات الضبط الدقيقة إلى منطق التصعيد المتبادل.

أما إسرائيل، فحساباتها الخاصة قد تدفع نحو توسيع الأهداف، وهو ما قد يضع واشنطن أمام معادلة لم تخطط لها بالكامل.

حسابات القوى الكبرى… توازن لا يسمح بالإقصاء

في خلفية المشهد، تقف الصين وروسيا كعاملَي توازن غير مباشر. بكين لا ترغب في مواجهة عسكرية، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تتقبل بسهولة تحييد إيران من المعادلة الإقليمية، لما يمثله ذلك من سابقة في ميزان القوى العالمي. أدواتها اقتصادية ودبلوماسية، لكنها فعالة في منع العزلة الكاملة.

روسيا بدورها ستستثمر الأزمة سياسيًا، وستدعم طهران في المحافل الدولية، من دون أن تدخل مواجهة مباشرة. لكن مجرد وجود هذا الغطاء السياسي يعقّد أي محاولة لعزل إيران استراتيجيًا.

متى تنفلت الأمور؟

الضربة المحدودة تتحول إلى حرب واسعة إذا تجاوزت ثلاث عتبات: سقوط قتلى أميركيين بأعداد كبيرة، اضطراب خطير في إمدادات الطاقة العالمية، أو توسع الاشتباك ليشمل إسرائيل بشكل مباشر وواسع.

غير أن هذه العتبات نفسها تمثل أوراق ردع بيد طهران، تجعل كلفة القرار العسكري أعلى مما يبدو في لحظة الخطاب السياسي.

بين الصدمة والصمود

في النهاية، قد يراهن ترامب على أن الصدمة العسكرية المحدودة ستكسر الجمود وتفرض اتفاقًا بشروط أميركية. لكن التاريخ القريب يظهر أن إيران تميل إلى امتصاص الضغوط بدل الانكسار تحتها، وإلى تحويل التهديد إلى فرصة لإعادة تثبيت معادلات الردع.

الأيام العشرة المقبلة ليست اختبارًا لقدرة واشنطن على استخدام القوة فحسب، بل اختبار لمدى صلابة الحسابات التي بُنيت عليها. فقد تنتهي ساعة الرمل بصفقة…غير أن التجربة تشير إلى أن الضغوط العسكرية لا تُنتج بالضرورة تغييرًا في السلوك بقدر ما تُنتج إعادة تموضع. وقد تجد طهران في أي تصعيد فرصة لتعزيز تماسكها الداخلي، وتوسيع هامشها الاستراتيجي، وترسيخ معادلات ردع أكثر صلابة مما كانت عليه قبل الضربة.

وفي منطقة اعتادت أن تعيش على حافة النار، لن يكون الفوز  لمن يشعل الشرارة أولًا، بل لمن يملك القدرة على احتمال لهيبها مدة أطول .

مقالات ذات صلة