من أعماق ملفات إبستين: مذكرة FBI تكشف روابط موسادية و«ابتزازًا» إسرائيليًا لترامب

 من أعماق ملفات إبستين: مذكرة FBI تكشف روابط موسادية و«ابتزازًا» إسرائيليًا لترامب

كشف مذهل من أعماق ملفات إبستين: مذكرة FBI تكشف روابط موسادية و«ابتزازًا» إسرائيليًا لترامب

علي منصور – ليبانغيت

في 30 كانون الثاني/يناير 2026، أصدرت وزارة العدل الأميركية دفعة هائلة من الوثائق المتعلقة بقضية جيفري إبستين، الملياردير الذي أصبح رمزًا لفساد النخب والاستغلال الجنسي. وبين هذه الوثائق، التي بلغت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة، إضافة إلى آلاف الفيديوهات والصور، تبرز مذكرة صادرة عن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) عام 2020. هذه المذكرة، التي كانت جزءًا من تحقيق حول التأثيرات المحلية أو الأجنبية على العملية الانتخابية الأميركية، تكشف ادعاءات مذهلة تربط إبستين مباشرة بجهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد)، وتقول إن الرئيس دونالد ترامب «مُساوَم عليه من إسرائيل».

ما معنى «مساوَم عليه» (Compromised) هنا؟

في سياق الاستخبارات والسياسة، يعني مصطلح «compromised» أن الشخص أصبح عرضة للابتزاز أو التأثير بسبب:

– معلومات حساسة أو فضائح شخصية (مثل تورط جنسي أو مالي).

– ضغوط سياسية أو اقتصادية تجعله يتخذ قرارات تخدم مصالح جهة خارجية على حساب مصالح بلده.

– روابط غير معلنة تُستخدم كورقة ضغط.

في هذا الادعاء تحديدًا، يقصد المصدر أن إسرائيل (عبر شبكة إبستين أو روابط أخرى مثل كوشنر وتشاباد) تمتلك نفوذًا أو «كومبرومات» (kompromat) على ترامب، ما يجعله متأثرًا في قراراته السياسية، خاصة خلال فترة رئاسته الأولى (2017–2021). ويأتي هذا الادعاء في سياق تحقيق للـFBI حول التأثيرات الأجنبية على الانتخابات أو السياسة الأميركية.

دعونا نغوص في سردٍ مترابط لهذه المذكرة، مستندين إلى محتواها كما كشفته وزارة العدل الأميركية. تعتمد المذكرة بشكل أساسي على معلومات من مصدر بشري سري (CHS)، وهو شخص لم يُكشف عن هويته لأسباب أمنية. وقد كُتبت في سياق تحقيق للـFBI حول محاولات التأثير على الانتخابات، وتشمل اقتباسات مباشرة من مراسلات إلكترونية وروايات المصدر.

يبدأ السرد بوصف إبستين كـ«عميل موساد مُجنَّد» (Co-opted Mossad Agent)، «تدرّب كجاسوس تحت إشراف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك». ووفقًا للمذكرة، دامت علاقة إبستين وباراك عقدًا كاملًا، حيث زار باراك منزل إبستين في نيويورك أكثر من 30 مرة بين عامي 2013 و2017.

في بريد إلكتروني مذكور في الوثيقة، يكتب إبستين لباراك: «يجب أن توضح أنني لا أعمل للموساد :)»، فيرد باراك: «أنت أم أنا؟»، ليرد إبستين: «أنا لا أعمل :)». تبادل يبدو ساخرًا، لكنه يعكس تثبيتًا وتأكيدًا غير مباشر لروابط عميقة.

تنتقل المذكرة إلى ادعاءات أوسع، مشيرة إلى أن إبستين عمل مع استخبارات أميركية وأجنبية، وأن «المصدر البشري السري أصبح مقتنعًا بأن إبستين عميل موساد مُجنَّد»، مستندًا إلى تقارير FBI سابقة.

هنا يدخل السياق السياسي، إذ تقول المذكرة أن مجموعة تشاباد-لوبافيتش اليهودية الدينية – وهي طائفة أرثوذكسية متطرفة تضم نحو 90 ألف عضو، وترتبط بسياسات استيطانية متشددة في فلسطين المحتلة – «تحاول السيطرة على رئاسة ترامب» (Chabad is doing everything they can to co-opt the Trump presidency).

وتصف المذكرة تشاباد بأنها منظمة  «يهودية مدعومة من الدولة» يستخدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمراقبة الأوليغارشيين اليهود الروس، مع الإشارة إلى روابطها بمستشار بوتين بيريل لازار، الذي كان حاخامًا رئيسيًا سابقًا لروسيا.

المعلومة  الأكثر إثارة تتعلق بترامب نفسه، إذ تقول المذكرة: «ترامب مُساوَم عليه من إسرائيل» (Trump has been compromised by Israel)، مع الإشارة إلى أن جاريد كوشنر، صهر ترامب، هو «العقل الحقيقي خلف تنظيمه ورئاسته» (Kushner is the real brains behind his organization and his presidency).

كوشنر، الداعم لتشاباد، زار مع إيفانكا ترامب قبر الحاخام شنيرسون (زعيم تشاباد الراحل) يوم انتخاب ترامب رئيسًا عام 2016.

كما تربط المذكرة آلان ديرشويتز، محامي إبستين، بالموساد، مشيرة إلى أنه «مُجنَّد من الموساد ويؤمن بمهمتهم»، وأنه كان جزءًا من صفقة عام 2008 التي أنقذت إبستين، حيث قيل للمدعي العام ألكسندر أكوستا إن إبستين «ينتمي إلى الاستخبارات الأميركية».

رغم أن هذه المعلومات الخطيرة تجاهلها القضاء وأغفلتها وزارة العدل بحجة أنها «غير مُدقَّقة»، فإنها تفتح الباب لتأكيد ارتباط إبستين بالموساد. تحليليًا، يعزّز هذا الارتباط عدة عوامل متجانسة.

أولاً  ، خلفية عائلة غيسلين ماكسويل، شريكة إبستين الرئيسية؛ فوالدها روبرت ماكسويل كان جاسوسًا معروفًا للموساد، وساعد في سرقة برنامج PROMIS الأميركي للتجسس لصالح إسرائيل، وتوفي غرقاً في ظروف غامضة عام 1991 بعد تهديده الموساد بكشف أسرارهم إذا لم يقرضوه 400 مليون جنيه إسترليني لإنقاذ إمبراطوريته المالية المتعثرة، كما أشار إبستين نفسه في بريد إلكتروني عام 2018. بعد «مقتل» والدها، نقلت غيسلين هذا الإرث إلى إبستين، الذي استخدم شبكته لجمع معلومات حساسة عن النخب، في نموذج يشبه «فخ العسل» (Honeytrap) الاستخباراتي.

ثانياً ، الثروة الغامضة لإبستين، إذ صعد من معلم إلى ملياردير من دون إنجازات مالية واضحة، مع عملاء مثل ليزلي ويكسنر (مؤسس فيكتوريا سيكريت)، الذي تربطه علاقات إسرائيلية قوية، وليون بلاك (يملك شركة المرتزقة المعروفة سابقًا باسم بلاك ووتر، والتي تُعرف الآن باسم Constellis) ، هذه الثروة قد تكون مقابل خدمات استخباراتية، كما ادعى آري بن-مناشيه، عميل موساد سابق، أن إبستين وماكسويل كانا يديران عملية ابتزاز لصالح الموساد.

ثالثاً ، الحماية القضائية، حيث تشير صفقة عام 2008 المخففة وتصريح المدعي العام أكوستا الشهير إلى تدخل استخباراتي. ويزيد من تعزيز هذه النظرية تعيين ألكسندر أكوستا لاحقًا وزيرًا للعمل في إدارة دونالد ترامب عام 2017، رغم الجدل الواسع المحيط بدوره في منح إبستين “صفقة القرن” التي سمحت له بالإفلات من الملاحقة الفيدرالية الجادة.  هذا التعيين لم يكن مصادفة، بل كان بمثابة مكافأة ضمنية لأكوستا على صمته وتسهيله للصفقة في 2008، خاصة في ضوء ما قاله أثناء عملية التدقيق (vetting) له لمنصبه كوزير للعمل في إدارة ترامب، ليبرر توقيعه على صفقة الإقرار بالذنب المخففة (non-prosecution agreement) مع إبستين ، عندما كان المدعي العام الفيدرالي في جنوب فلوريدا ، بأنه “تم إخباره أن إبستين ينتمي إلى الاستخبارات ويجب تركه وشأنه”. هذا التسلسل يعزز التأكيد  حول تأثير الموساد  (أو شبكات استخباراتية مرتبطة بإسرائيل عبر إبستين وغيسلين ماكسويل ) في قرارات إدارة ترامب، بما في ذلك اختيار الوزراء، مما يشير إلى أن الحماية الممنوحة لابستين امتدت إلى ما بعد الصفقة لتشمل ترقيات سياسية للمتورطين فيها، وتعكس مدى نفوذ هذه الشبكات في أروقة السلطة الأمريكية.

وأخيرًا، علاقات إبستين مع باراك وشخصيات إسرائيلية أخرى، مثل نفتالي بينيت، تعزز فرضية أن إبستين كان عقدة في شبكة نفوذ أكبر، تستخدم الابتزاز لتحقيق أهداف جيوسياسية لصالح إسرائيل.

في النهاية، ليست هذه المذكرة مجرد وثيقة عابرة، بل دليل على كيفية عمل النظام الاستخباراتي عبر الحدود، محوِّلًا شخصيات مثل إبستين إلى أدوات نفوذ. ورغم التجاهل القضائي المتعمد، فإن السياق التاريخي والروابط العائلية يرجحان ارتباطًا موساديًا، ما يستدعي فتح تحقيق مستقل يتجاوز الإفراجات الانتقائية، وهو أمر لن تسمح به الدولة العميقة في واشنطن.

مقالات ذات صلة