كنتُ شريكًا في الوهم… شهادة إعلامي سعودي على زمن الانحدار
عشر عجاف هدمت إرث المملكة من بوابة الإعلام
كنتُ شريكًا في الوهم… شهادة إعلامي سعودي على زمن الانحدار
خاص-ليبانغيت
تلقّت “ليبانغيت” هذا المقال من إعلامي سعودي طلب نشره من دون ذكر اسمه، حفاظًا على حياته وسلامة زملائه وأفراد عائلته.
الكاتب، الذي عمل لسنوات في مؤسسات إعلامية سعودية، يقدّم في هذا النص ما يصفه بـ”شهادة ندم” على مرحلة يعتبرها من أكثر المراحل إيلامًا في تاريخ الإعلام السعودي الحديث.
ننشر المقال كما وردنا، احترامًا لحق الشهادة والتوثيق، مع التأكيد أن ما ورد فيه يعبّر عن رأي كاتبه حصراً.
* * * * * *
اكتب هذه الكلمات كمن يتجرع كأس السم بكلتا يديه.
يحركني سؤال واحد: ما الذي حصل في السنوات العشر العجاف الأخيرة، حتى وصلنا إلى ما وصلنا اليهمن حالة بائسة وهزلية، في اعلام المملكة العربية السعودية؟
هل هذه هي السعودية التي أفنينا ردحا ندافع عن اعتدالها وسياساتها، ومنعة حدودها، المعنويةوالجغرافية والسياسية؟
هل هذا هو الإعلام الذي باهينا به الخصوم، كونه غادر منظومات الأيديولوجية الحزبية، التي اعتمدتهابعض الدول؟
الاسئلة تتزاحم في عقلي ووجداني، بعد السقوط المدوي لاعلامنا، الذي انحدر إلى حيث لا يجب ولايعقل.
ويمكن الانطلاق من تلك الأخبار الأخيرة التي تتعلق بدولة الإمارات، والتي أصبحت موضع تندر علينالكثرة ما احتوته من مغالطات ساذجة، فتارة انكار لمشاريع إنمائية شاخصة للعيان، وطورا زعم وجودسجون سرية، ما زال البحث عنها ساريا بلا جدوى، وثالثة الأثافي، الاستجداء او الاستقواء على فقراءاليمن، للظهور بشكل مذل معيب لشكر المملكة وملكها وولي عهدها، في مشهدية ظننت انها نتاج ذكاءصناعي حبكته جماعة ما، لاهانة المملكة.
واستمر المسلسل مع الترويج لاخبار كذبها المواطنون اليمنيون بالصوت والصورة، دون كبير جهد اوتكلف. وتصدرت السخرية شبكات التواصل الاجتماعي، فوصلت المملكة بسبب إعلامها، إلى درك، لميكن متخيلا في أقصى طموحات خصومها واعدائها.
وإذا انتقلنا إلى لبنان مثلا، نجد اننا انحدرنا إلى قاع القاع، فقد زعمت محطة الحدث مثلا قيام شخص–تبين انه مسيحي– بحياكة تحالف بين حزب المستقبل والجماعة الاسلامية وحركة حماس، لتجيير أصوات المستقبل لحماس!! وهنا تجف الأقلام وترفع الصحف. والحقيقة أني لم أقع حتى في اكثر الإعلامالأصفر اصفرارا، على اخبار كهذه، يكذبها ما في متنها من غباء.
ويعود السؤال مجددا كيف وصلنا إلى ما وصلنا اليه؟
والجواب البديهي: هو ان هذا النوع من الإعلام، يشكل إفرازا طبيعيا للسياق السياسي السعودي، الذيعانى في العشر العجاف، ما عاناه من تخبط وارتجالية، ازعم انها غير مسبوقة، حتى في أقصى شطحاتالقذافي جموحا وخيلاء .
والحقيقة اننا نحن الذين أفنينا عمرا، ولم نوفر جهدا في الدفاع عن ريادة المملكة لخط الاعتدالالعربي، دخلنا منذ فترة في ضياع غير مسبوق، وصار التندر بما آلت اليه حالنا، زادنا للصبر على ما ابتلينابه .
فلا ننام على نقيصة، إلا وصحينا على فضيحة.
ولا يكاد الواحد منا يستجمع عصارة عقله وتجربته لتبرير أزمة، إلا وعاجلته كارثة شلت حواسه الخمسة،وعطلت ما تبقى له من عقل ونقل.
ويوم واقعة الخاشقجي، التي كان لي شرف عدم المشاركة في اي تغطية عليها او تبرير، اذكر ذاك النبيلالدكتور تركي الحمد الذي خرج ليؤكد استحالة انخراط المملكة في الجريمة ، بفعل الغباء المفرط فيتفاصيلها. فباغته القضاء السعودي باعتراف عريض بالجريمة، ما أوقع الحمد بالسكتة التحليلية، ولمايتعافى حتى الساعة.
كما اذكر كم جلسنا بصمت مؤلم مع زملاء جرتهم الوظيفة او الحاجة المادية، الى ترداد حجج صبيانيةمضحكة، لجريمة خاشقجي، كانت تردهم من المطبخ “العبقري” للذباب، ومن تلك الحجج مثلا، الردعلى عدم خروج خاشقجي من القنصلية، بالقول ان خطيبته رجل امن تركي!!!
وعندما انجلى غبار “معركة القنصلية“، اختصر لي احد الأصدقاء المشهد، بقوله: لقد خضنا معركةبمطبخ ساذج، للدفاع عن جريمة غبية، فحصدنا العار.
ولا أبالغ البتة حين أقول،كل من شارك المملكة في إعلام زمن العشر العجاف، أصيب في مقتل بصدقيتهبفعل السياسة الهميونية، التي كان التقلب بين النقيضين عنوانها، والسذاجة سياقها، والفشل الذريعنتيجتها المحتومة.
والحق يقال، كم مرة دافعنا عن سلوك سياسي كنا على يقين بانه عبثي بالكامل. وكم تحالف ضخمناتداعياته ونحن نعلم انه غير موجود أصلا. وكم مشروع روجنا لنتائجه العظيمة، ونحن متيقنين من انهوهم وجنون. وكم هجوم خضناه وفي انفسنا الف سؤال عن جدواه، فضلا عن اننا كنا نعرف انه مبني علىاكاذيب. وكم من شخص اسهمنا بتشويه صورته، ونحن ضمنا متأكدين انه بريء مما ننسبه له براءةالذئب من دم يوسف.
بل كم سخرنا من انفسنا بصمت الصغار يوم شنينا حملة على امير قطر، استنادا إلى خطابه في حفلتخريج الضباط، وكلنا كان يعلم الا خطاب ولا من يحزنون.
وكم احزن اليوم على زميل او صديق يرقص رقصة الطير المذبوح على مسرح مطبخ الذباب، الفارغ منكل شيء إلا الكذب الغبي.
سؤال واحد يؤرقني شخصيا ولا يكاد يغادرني: كيف انخرطت يوما بهذا العار؟
بكل الأحوال أنا لست هنا لاسجل نقدا للمملكة، انتصارا لخصومها او الاعداء، فأنا ادرك كارثية ساسيةالتلاعب القطرية. واعرف عمق خطورة مشروع الاخوان المسلمين. ولست من المعجبين بسياسة الإمارات، لأنني لست من المهتمين بالاقتصاد من اساسه.
كل ما أريد تسجيله في هذه السطور ، هو تلاوة فعل ندامة، ليس بسبب دفاعي المستميت عن المملكةفي السابق، بل لسكوتي المعيب خلال العشر العجاف، و قيامي احيانا ببعض المحاولات للدفاع والتبرير ،وهو ما اعتبره جريمة ليس بحق الحقيقة فقط، بل بحق المملكة التي تستحق منا الإخلاص لها، بدلالدفاع عن مجموعة صبيانية خطفت إعلامها وصادرت سياستها، لتختصر جبلا من التاريخ، بحفنة منالذباب.
لست أتلو فعل الندامة لأخلي مسؤوليتي عن المشاركة والصمت، بل لأخلي مسؤولية المملكة وتاريخهاوشعبها، من الاختطاف القسري لصورتهم ومكانتهم، والعبث بتاريخهم، الذي صار موضع سخرية وتهكم. والتاريخ الذي يكرر نفسه مرة على صورة مأساة، وأخرى على شكل مهزلة، لن يرحمنا نحن الذين كررناالمأساة، لذا وجب علينا منع المهزلة، او أقله تقديم شهادة للتاريخ، حتى لو استدعى ذلك منا الشهادة.
