لغز الصعود المفاجئ: كيف أصبح جيفري إبستين مليارديرًا؟

 لغز الصعود المفاجئ: كيف أصبح جيفري إبستين مليارديرًا؟

لغز الصعود المفاجئ: كيف أصبح جيفري إبستين مليارديرًا؟

من علاقة ماكسويل إلى فرضية الدور الاستخباراتي

علي منصورليبانغيت

لم يكن صعود جيفري إبستين المالي حدثًا طبيعيًا في عالم المال، بل قفزة غير مفسَّرة محاسبيًا ولامهنيًا. رجل بدأ معلّمًا في مدرسة دالتون الراقية في نيويورك عام 1974، رغم عدم حصوله على درجةجامعية كاملة، ثم انتقل إلى عالم التمويل في بنك بير ستيرنز عام 1976 كمساعد صغير، ليصبح شريكًا في غضون أربع سنوات فقط. هذا الارتفاع السريع، مدعومًا بمهارات في التجارة بالخيارات، أثار تساؤلات عن  “الحظالذي رافقه. ثم، في 1981، غادر البنك ليؤسس شركته الخاصة، J. Epstein & Company،التي تخصصت في إدارة أموال الأثرياء الذين يملكون أكثر من مليار دولار. هنا يبدأ الغموض الحقيقي: كيف تحول هذا الشاب إلى ملياردير يمتلك قصورًا في نيويورك وباريس، وطائرة خاصة، وجزرًا  في  الكاريبي، وثروة تقدر بنحو 600 مليون دولار عند وفاته؟ السؤال ليس أخلاقيًا فقط، بل بنيوي: من أينجاءت هذه الثروة؟ ولماذا لم تُفحَص بعمق، رغم الروابط الواضحة مع النخب السياسية والمالية؟   

أولًا: ثروة بلا سجلّ

لم يؤسس إبستين بنكًا مشهورًا، ولم يطلق صندوقًا استثماريًا معروفًا، ولم تُسجَّل له إنجازات مالية تبرّر  هذا الثراء الفاحش. ومع ذلك، ظهر فجأة كمدير أموال «فائق الخصوصية»، يعمل في هياكل مغلقة وشركات واجهة، من دون قوائم عملاء شفافة أو نتائج استثمارية موثّقة. عميله الرئيسي كان ليزلي ويكسنر ، مؤسس إمبراطورية فيكتوريا سيكريت، الذي سمح لإبستين بالوصول إلى ثروته الشخصية، بل وبيعه  قصره في مانهاتن بـ20 مليون دولار عام 1998. ويكسنر دفع له أكثر من 200 مليون دولار فيرسوم، كما كشفت تقارير فوربس. عميل آخر بارز: ليون بلاك، مؤسس أبولو غلوبال، الذي دفع 158 مليوندولار مقابل خدمات ضريبية وتخطيط  تركات. إضافة إلى ذلك، استفاد إبستين من إعفاءات ضريبية هائلة في جزر العذراء الأمريكية، حيث أسس شركتيه Financial Trust Company (1998) وSouthern Trust Company (2011)، مما وفر له نحو 300 مليون دولار في ضرائب بين 1999 و2018. هذه القفزةبحد ذاتهاإنذار مبكر إلى أن المال سبق العمل، والنفوذ سبق الثروة، كما كشفت تحقيقيات  نيويورك تايمز عن  مخططات احتيال وسرقات ساعدت في بناء إمبراطوريته.   

ثانيًا: بوابة ماكسويل وروابط الاستخبارات

المفصل الأوضح في مسار إبستين هو علاقته بغيسلين ماكسويل، ابنة الناشر الدولي روبرت ماكسويل،الذي توفي في ظروف غامضة عام 1991. تعرف إبستين وغيسلين في أوائل التسعينيات، وبدأت علاقتهما رومانسية ، لكنها تطورت إلى شراكة تنظيمية في شبكة الاستغلال. غيسلين لم تكن «رفيقة» فحسب، بلكانت المجندة الرئيسية للفتيات القاصرات، ترتب اللقاءات وتدير الأنشطة. هذه العلاقة ليست مصادفة: روبرت ماكسويل كان معروفًا بعلاقاته الوثيقة مع أجهزة الاستخبارات، خاصة الموساد الإسرائيلي، كماأكدت تقارير من التسعينيات. كان روبرت جاسوسًا متعدد الولاءات—MI6 البريطانية، KGB السوفيتيةلكن أقوى روابطه كانت مع الموساد، حيث ساعد في سرقة برنامج PROMIS الأميركي (أداة تجسس) لصالح إسرائيل ، مما سمح لها بالتجسس على دول عديدة. بعد وفاة روبرت غرقاً في ظروف غامضة،  انتقلت غيسلين إلى نيويورك، حيث ربطت إبستين بشبكة والدها. هذا الإرث يضع علاقة إبستينماكسويل في سياق يتجاوز الاجتماعي والعاطفي ، ويثير أسئلة عن تورط إبستين نفسه مع الموساد.     

ثالثًا: فرضية «النفوذ مقابل المال» وروابط الموساد

عدد من الصحافيين الاستقصائيين والمصادر الاستخباراتية، مثل آري بن مناشه (عميل سابق فيالموساد)، طرحوا فرضية أن إبستين أدّى وظيفة غير معلنة: عمل كوسيط نفوذ للموساد، مستخدمًا شبكته لجمع معلومات حساسة عن شخصيات نافذة. بن مناشه ادعى أن إبستين وغيسلين عملا كـ”honeytrap” (فخ العسل) للموساد، يجذبان الأثرياء والسياسيين إلى بيئات مغلقة، يجمعون فيها معلومات  للابتزاز. هذه الفرضية  رغم تجاهلها من قبل القضاء الأميركي ، إلاّ أنها تفسّر الغموض: ثروة إبستين  بلغت 800 مليون دولار في إيرادات بين 1999 و2018، جزء كبير منها من رسوم لعملاء مثل ويكسنر  وبلاك، لكن الجزء الآخر قد يكون من عمليات استخباراتية.

     

رابعًا: الإفلات الذي مهّد لكل شيء

في 2008، نال إبستين تسوية قضائية مخفّفة على نحو غير مسبوق، أوقفت مسارًا كان يمكن أن يكشف البنية  الماليةالأمنية للقضية. المدعي العام ألكسندر أكوستا اعترف لاحقًا أنه أُمر بـترك الأمر” لأن أبستين  “ينتمي إلى الاستخبارات”. منذ تلك اللحظة، تحوّل التركيز إلى الجرائم الجنسية وحدها، بينماظل ملف المال والعلاقات خارج التحقيق الجدي.

خامسًا: موت لا يُغلق الملف

توفي إبستين في سجن فدرالي عام 2019، وأُعلن رسميًا أن الوفاة نتيجة الانتحار شنقًا. غير أن الملابسات  بقيت مثار تشكيك واسع: تعطّل كاميرات المراقبة، غياب الحراس خلال الفترة الحرجة،وتقارير طبية عن كسور في الرقبة أثارت جدلًا مهنيًا. نظريات المؤامرة تنوعت: قتل من قبل النخب المتورطة  ،  أو حتى أنه حي ومخفي في إسرائيل أو مكان آخر. هنا لا يُطرح اتهام جنائي، بل سؤال بنيوي: كيف يُدار ملف بهذا الحجم بعد غياب صاحبه؟ سبع سنوات مرّت قبل أن يُعاد تحريك الملف، وعندما فتح ، فُتح انتقائيًا: كشفٌ محسوب، حدود واضحة، ونتيجة واحدةإدارة الضرر لا إحقاق العدالة.       

قصة إبستين ليست لغز شخصٍ فقط، بل اختبار نظام. صعود مالي بلا سجل، علاقة مفصلية بعائلة ارتبط اسمها  تاريخيًا بالموساد، حماية قضائية طويلة، ثم موت بملابسات غير مُقنِعة، ففتح انتقائي للوثائق بعد   سبع سنوات. فكيف لا شيء من ذلك يرقى إلى إدانة قانونية لدور استخباراتي ؟!

هل كان إبستين مجرمًا محميًاأم عقدة نفوذ في شبكة أكبر من شخصه، ربما تحت غطاء الموساد؟ فيغياب تحقيق ماليأمني مستقل، يبقى الجواب مؤجَّلًا. والمؤجَّل في السياسة، غالبًا، ليس بريئًا.

مقالات ذات صلة