مغامرة ترامب الإيرانية: طريق الاستنزاف وصعود الصين

 مغامرة ترامب الإيرانية: طريق الاستنزاف وصعود الصين

مغامرة ترامب الإيرانية: طريق الاستنزاف وصعود الصين

علي منصور – ليبانغيت

منذ اللحظة الأولى لبدء الحرب التي أسمتها واشنطن بعملية “Epic Fury” في 28 شباط/فبراير، حاول دونالد ترامب أن يقدّم الحرب على إيران بوصفها نموذجًا للقوة الأميركية الخاطفة: ضربة قصيرة، حاسمة، “نظيفة” سياسيًا، تُنهي الخطر الإيراني وتعيد رسم ميزان الردع في المنطقة خلال أسابيع قليلة. هذا هو الخطاب الذي رافق الإعلان الرسمي الأميركي عن العملية، سواء في بيانات البيت الأبيض أو في إحاطة القيادة الوسطى، حيث جرى تقديم الحرب على أنها حملة لتدمير البنية الصاروخية الإيرانية، وتقويض قدراتها النووية، وشلّ أذرعها العسكرية والأمنية.

لكن المشكلة في خطاب ترامب لم تكن فقط في لهجته التصعيدية، بل في التناقض البنيوي الذي حكمه منذ البداية. فهو قدّم الحرب في آنٍ واحد على أنها ضرورة استراتيجية كبرى، وعلى أنها أيضًا عملية قصيرة وسهلة وقريبة من نهايتها. وفي اليومين الأخيرين كرر في مقابلات وتصريحات أن الحرب “very complete”، وأنها “very far ahead of schedule”، وأنها قد تنتهي “very soon”. غير أن هذه اللغة المتفائلة جاءت فيما كانت الأسواق لا تزال تتعامل مع الصراع بوصفه خطرًا مفتوحًا، وفيما كانت إيران نفسها تؤكد أن نهاية الحرب لن تحددها واشنطن. هنا يظهر التناقض الأول: إذا كانت الحرب شبه منتهية فعلًا، فلماذا لا تزال أسواق الطاقة والعواصم الإقليمية والجبهات العسكرية تتصرف على أنها أمام نزاع طويل  في طور  التوسع  لا الإنحسار ؟

ما أخطأ فيه ترامب، هو أنه راهن على الفجوة الهائلة في القوة الجوية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة وإيران، وافترض أن هذه الفجوة تكفي وحدها لتحويل الحرب إلى مشهد أحادي الاتجاه. صحيح أن الضربات الأميركية ـ الإسرائيلية ألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، وأن تقارير عديدة تحدثت عن ضربات كبيرة تلقتها طهران في الأيام الأولى، لكن ذلك لم يحقق  النتيجة المتوخاة  التي بُنيت عليها الخطة. فالضربة التي لا تفرض استسلامًا، ولا تفتح باب تفاوض جدي، ولا تكسر إرادة الخصم، تتحول تدريجيًا من حرب قصيرة وحاسمة  إلى حرب استنزاف طويلة . وهذا بالضبط ما بدأ يتكشف: إيران ترفض التفاوض مع واشنطن   ووزير خارجيتها عباس عراقجي يصف المفاوضات مع واشنطن بأنها “تجربة مريرة جدًا”، والحرس الثوري يعلن أن طهران هي من سيحدد نهاية الحرب، فيما يستمر تهديد الملاحة وإنتاج النفط وتدفقه  من الخليج إلى دول العالم .

ومن هنا يصبح الاتصال بين ترامب وفلاديمير بوتين مؤشرًا بالغ الدلالة، لا تفصيلًا عابرًا. فحين يلجأ رئيس أميركي، بعد عشرة أيام فقط من بدء الحرب، إلى الحديث بإيجابية عن دور روسي “مفيد” في الشرق الأوسط، فهذا يعني أن مسار الحسم العسكري لم يعد كافيًا وحده، وأن الحاجة إلى مخرج سياسي بدأت تفرض نفسها. رويترز نقلت أن بوتين قدّم مقترحات لتسوية سريعة، وأن النقاش شمل أيضًا احتمالات تتعلق بتخفيف  العقوبات  على النفط الروسي في ظل أزمة الطاقة الحالية. وهذا يكشف التناقض الثاني في مقاربة ترامب: الرجل الذي أراد حربًا تؤكد الهيمنة الأميركية، يجد نفسه مضطرًا إلى فتح باب وساطة مع خصم دولي كبير، وفي لحظة تمنح موسكو أوراقًا إضافية بدل أن تنتزع منها أوراقها.

أما التناقض الثالث فهو اقتصادي، وربما الأكثر خطورة سياسيًا على ترامب نفسه. لقد بُني جزء من خطابه على أن أميركا لم تعد رهينة نفط الشرق الأوسط، وبالتالي تستطيع استخدام القوة بلا خوف من الارتدادات  على الداخل. لكن ما حدث فعليًا هو أن الحرب دفعت أسعار النفط إلى القفز فوق 100 دولار للبرميل قبل أن تتراجع لاحقًا مع رهان الأسواق على خفض التصعيد، فيما بقيت المخاطر الأساسية قائمة بسبب مضيق هرمز واحتمالات تعطيل الإمدادات. وهذا يعني أن “الاستقلال الطاقوي” الأميركي لا يلغي حقيقة أن الاقتصاد الأميركي ما زال جزءًا من سوق عالمية شديدة الحساسية لأي صدمة في الخليج. بعبارة أخرى: ترامب تصرف كما لو أن واشنطن تستطيع فصل الجغرافيا السياسية عن الاقتصاد، لكن السوق أعاد تذكيره بأن الحرب في الخليج لا تبقى في الخليج.

غير أن الخسارة الأعمق لا تُقاس فقط بأسعار النفط أو بكلفة العمليات، بل بانحراف البوصلة الاستراتيجية الأميركية مرة جديدة بعيدًا عن التحدي المركزي: الصين. فكل يوم إضافي تقضيه واشنطن في إدارة حرب مفتوحة في الشرق الأوسط هو يوم يُستنزف فيه الانتباه السياسي، والمخزون العسكري، والقدرة على التخطيط الطويل لصراع النفوذ في آسيا. حتى التقارير المتعلقة بالذخائر والدفاعات الجوية تشير إلى أن أي نزاع طويل في المنطقة قد ينعكس مباشرة على أولويات أوكرانيا وعلى الجهوزية الأميركية الأوسع. وفي الوقت نفسه، تؤكد تقارير البنتاغون أن الصين تواصل “إحراز تقدم ثابت” نحو هدف 2027 المرتبط بالقدرة على خوض حرب والانتصار فيها بشأن تايوان، فيما تُظهر متابعة المعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية أن بكين باتت تتقدم في 66 من أصل 74 تقنية متقدمة. أي أن واشنطن تنفق طاقتها في حرب استنزاف إقليمية، بينما خصمها الأكبر يراكم التقدم في الميدانين الصناعي والتكنولوجي اللذين سيحددان ميزان القوة العالمي المقبل.

بهذا المعنى، لا تكون الصين رابحًا لأنها أطلقت رصاصة، بل لأنها لم تضطر إلى إطلاقها. فمجرد انغماس الولايات المتحدة في حرب جديدة في الشرق الأوسط يمنح بكين ما تحتاجه تمامًا: هامشًا أوسع للمناورة، وقتًا إضافيًا للمراكمة ، وقدرة أكبر على مراقبة الاستنزاف الأميركي من الخارج. الصين تستفيد من تشتت القرار الأميركي، ومن انقسام الموارد، ومن عودة واشنطن إلى نمط الحروب التي تستنزف الإرادة أكثر مما تنتج الحسم. وإذا كانت موسكو تربح من اضطراب الطاقة وتخفيف الضغوط على صادراتها، فإن بكين تربح استراتيجيًا من تحوّل أميركا، مرة أخرى، من قوة تركز على الخصم الصاعد في آسيا إلى قوة تُستدرج إلى الرمال المتحركة للشرق الأوسط.

في المحصلة، لا تبدو مشكلة ترامب أنه أخطأ فقط في تقدير مدة الحرب، بل في تقدير طبيعتها أصلًا. لقد تصور أن التفوق العسكري يكفي لإنتاج نهاية سياسية سريعة، وأن السوق سيخضع لخطابه، وأن الخصم سيتصرف وفق التوقيت الأميركي، وأن العالم سيقرأ الحرب بوصفها استعراضًا ناجحًا للقوة. لكن ما يتكشف تدريجيًا هو العكس: حرب لم تنتهِ حين قال إنها توشك على النهاية، خصم لم ينهَر حين أعلن أنه جُرّد من أدواته، وأسواق لم تصدق رواية “الاكتمال” الأميركي. وإذا استمر هذا المسار، فإن أخطر ما ستكون هذه الحرب قد فعلته ليس فقط إنهاك واشنطن في الشرق الأوسط، بل دفعها إلى مسار انحداري بطيء: تربح فيه تكتيكيًا بعض الضربات، لكنها تخسر استراتيجيًا تركيزها، وهيبتها، وأولوياتها الكبرى. وهناك، تحديدًا، تبدأ الصين في الربح الحقيقي.

مقالات ذات صلة