من كراكاس إلى إيران ولبنان : حروب متوازية بعقل واحد
من كراكاس إلى إيران ولبنان : حروب متوازية بعقل واحد
علي منصور – ليبانغيت
ما جرى في فنزويلا لم يعد خبرًا خارجيًا يمكن التعامل معه كـ«حدث بعيد». الهجوم الأميركي على كراكاس ليس تفصيلًا جغرافيًا، بل حلقة جديدة في سلسلة واحدة تمتد من غزة إلى لبنان وصولًا إلى إيران.
القاعدة واحدة مهما اختلفت الساحات: منطق القوة يتقدّم، والقانون الدولي يتراجع، والسيادة تُقاس بمدى الطاعة لا بحدود الدولة.
حين تُقصف عاصمة دولة ذات سيادة، ثم يُطلب من العالم «تفهم الدوافع»، فنحن لسنا أمام حادث أمني أو خطأ عسكري، بل أمام إعلان سياسي فاضح: الخطوط الحمراء لم تعد تُرسم في نيويورك أو لاهاي، بل في واشنطن، وفق ميزان المصالح المباشرة.
مبدأ مونرو… بلباس جديد
قد يظن البعض في منطقتنا أن ما يحصل في أميركا اللاتينية لا يعنينا. لكن الحقيقة أن ما جرى في كراكاس هو إعادة تفعيل صريحة لـ«مبدأ مونرو»، أي منطق الفناء الخلفي، بصيغة عسكرية حديثة.
الرسالة واضحة ولا لبس فيها:
من يخرج عن المسار المرسوم يُعاقَب.
مرّة بالعقوبات، مرّة بالحروب بالوكالة، ومرّة بالقصف المباشر.
هذا المنطق ذاته رأيناه في غزة، حيث يُمنح الكيان الإسرائيلي غطاءً سياسيًا وعسكريًا مطلقًا باسم «الدفاع عن النفس»، حتى لو سُوِّيت المدن بالأرض.
ورأيناه في لبنان، حيث يُطلب ضبط النفس من طرف واحد، فيما يُمنح نتنياهو ضوءًا أخضر أميركيًا لشنّ عدوان واسع على البلاد.
أما في إيران، فتُدار حرب استنزاف طويلة الأمد: عقوبات، اغتيالات، اختراقات أمنية، حصار سياسي، وتحريض على أعمال الشغب والتخريب، في مسعى لإرباك الدولة وتهيئة الذرائع لتدخل عسكري تحت عنوان «حماية الشعب من القمع ».
حروب متوازية… وعقل واحد
لسنا أمام حرب عالمية تقليدية، بل أمام حرب شبكية:
نار هنا، ضغط هناك، وهجمات موزّعة على ساحات مختلفة.
الهدف الأول هو الحسم، وإذا فشل الحسم، تُستكمل المعركة عبر إدارة الإنفجار ، وضبط التوازنات، وتحديد سقوف القوة المسموح بها.
وهنا تكمن خطورة المرحلة: حين يتحوّل هذا النموذج إلى صيغة قابلة للتكرار في أي ساحة تُصنَّف «خارجة عن الطاعة الأميركية».
الصين وروسيا: دعم بلا انخراط
في هذا المشهد، لن تذهب الصين و روسيا إلى مواجهة مباشرة من أجل فنزويلا، كما لم تفعلا سابقًا من أجل إيران، لكنهما ستستثمران الحدث سياسيًا.
الصين ستتمسّك بخطاب السيادة والقانون الدولي، وتدعم كاراكاس دبلوماسيًا داخل الأمم المتحدة في إطار معركتها الأوسع ضد التفرد الأميركي.
أما روسيا، فسترفع السقف سياسيًا، وتلوّح بتعزيز التعاون العسكري، لا دفاعًا عن فنزويلا بحد ذاتها، بل ضمن صراعها المفتوح مع واشنطن على شكل النظام الدولي.
الدعم موجود، لكن الاشتباك مؤجّل. فكل طرف يفضّل رفع كلفة الخصم من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
أميركا اللاتينية… مرآة ما نعرفه
الضربة الأميركية ستكشف، مرة جديدة، هشاشة الإجماع الإقليمي في أميركا اللاتينية:
فدول اليسار التقدّمي، كالبرازيل وبوليفيا وكوبا ونيكاراغوا، ستدين الهجوم الأميركي خشية عسكرة الإقليم، ولا سيما أن ذاكرة الانقلابات والتدخلات الأميركية ما تزال حيّة.
بينما دول الوسط الحذِر، كالمكسيك وتشيلي والأوروغواي، ستبقي مواقفها رمادية، محاولة الموازنة بين السيادة الوطنية والحفاظ على العلاقة مع واشنطن.
أما حكومات اليمين المتحالفة مع الولايات المتحدة، فستذهب إلى تبرير الاعتداء بكل وقاحة، تحت عناوين «الاستقرار» و«مكافحة التهديدات».
مؤسسات إقليمية عاجزة، كـ منظمة الدول الأميركية تشبه في عجزها مؤسساتنا العربية، ومحاولات بديلة خجولة، كـ سيلاك تصطدم بميزان القوى نفسه.
إنه المشهد ذاته الذي نعرفه في منطقتنا: إجماع مستحيل، وقرار مرهون بالخارج.
الرسالة إلينا قبل غيرنا
من يقرأ ما جرى في فنزويلا بعين عربية، يدرك أن الرسالة ليست موجّهة إلى كاراكاس وحدها.
لا ساحة محصّنة، ولا دولة بعيدة، وكل الاحتمالات باتت مفتوحة.
من كراكاس إلى غزة ولبنان وإيران، نحن أمام عالم دخل مرحلة إدارة الانفجار لا منعه.
لم يعد السؤال: هل ستتوسّع المواجهة؟
بل: أين ستكون الحلقة التالية… ومن سيدفع الثمن؟
