العدالة على مقياس ترامب : من قاعة المحكمة إلى ساحة الخطف
العدالة على مقياس ترامب : من قاعة المحكمة إلى ساحة الخطف
علي منصور – ليبانغيت
لا مشكلة لدى الولايات المتحدة في الحديث عن سيادة القانون… طالما أنّ القانون لا يقترب من حلفائها.
ولا حرج لديها في تحويل القضاء إلى سلاح سياسي… طالما أنّ السلاح موجَّه إلى الخصوم.
هكذا تعمل “العدالة” في نسختها الأميركية: انتقائية، مُسيَّسة، ومفصّلة على قياس ميزان القوة.
حين تريد واشنطن محاكمة خصم، تتّسع ولايات الاختصاص فجأة، وتتقدّم لوائح الاتهام، وتُعلَّق شعارات “العدالة العابرة للحدود”.
وحين يقترب القضاء الدولي من حليف، يتحوّل القانون إلى خطر، والقضاة إلى أعداء، والمحكمة إلى مؤامرة.
القضاء تابع للقرار السياسي
في الخطاب الأميركي الرسمي، يُقال إن القضاء مستقل، وإن الادعاء يعمل وفق معايير قانونية بحتة.
في الواقع، السياسة تُحدّد الهدف، والقضاء يُستدعى لاحقًا لإضفاء الشرعية.
الملفات لا تُفتح لأن الأدلة نضجت، بل لأن اللحظة السياسية حانت. والاتهام لا يكون خطوة أولى نحو الحقيقة، بل أداة ضغط تُستبق بالعقوبات والتشهير والعزل.
الحصانة تُمنح وتُسحب بقرار
مبدأ حصانة رؤساء الدول قاعدة راسخة في القانون الدولي، لكن واشنطن تتعامل معه بمنطق آخر: الاعتراف السياسي.
من تعترف به رئيسًا تُصان حصانته، ومن تنزع عنه الاعتراف تُنزَع عنه الحماية.
ليست المحكمة من يقرّر من هو “الرئيس”، بل السياسة. وهنا تبدأ العدالة بفقدان معناها.
نتنياهو: حين تنقلب العدالة إلى عدو
الدليل الأوضح على هذا الانفصام هو موقف واشنطن من محاكمة بنيامين نتنياهو.
عندما جرّمته المحكمة الجنائية الدولية وأمرت بتوقيفه ، لم تدافع الولايات المتحدة عن “حقه في المحاكمة العادلة”، بل هاجمت المحكمة نفسها.
فرضت عقوبات على قضاتها، هدّدت، وضغطت، ووصمت المحكمة بالتحيّز. أي أنّ واشنطن لم تكتفِ بحماية حليفها، بل عاقبت القضاة لأنهم تجرّأوا على تطبيق القانون.
الرسالة واضحة:
العدالة مقبولة فقط حين تُدين الخصوم. أمّا حين تقترب من الحلفاء، فهي خطر يجب كبحه.
من التسليم القضائي إلى الأسر بالقوة: معياران لعدالة واحدة
تكشف المقارنة بين حالتي الرئيس الهندوراسي خوان أورلاندو هيرنانديز والرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عُريَ الانتقائية الأميركية.
هيرنانديز، الحليف السابق لواشنطن، لم يُمسّ إلا بعد انتهاء ولايته وسقوط حصانته . اعتُقل عام 2022 داخل بلاده بأيدي سلطاتها الرسمية، ثم سُلِّم إلى الولايات المتحدة عبر مسار قضائي واضح. هناك، أُدين بتهم التآمر مع كارتيلات المخدرات وتهريب مئات الأطنان من الكوكايين، وصدر بحقه حكم قاسٍ بالسجن 45 عامًا. ومع ذلك، لم تكن الكلمة الأخيرة للقضاء: الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصيًا استخدم صلاحياته الدستورية ومنحه عفوًا رئاسيًا أنهى عقوبته بقرار سياسي صريح.
في المقابل، يُطرَح مع مادورو نموذجٌ معاكس تمامًا: رئيس دولة لا يزال في سدة الحكم ويتمتع بحصانة قائمة، تُتجاوز سيادته ويتم الإعتداء عليه بعملية عسكرية “مافيوية” ، ثم تُلبَس العملية ثوب “إنفاذ القانون”. هنا لا يعود القضاء مسارًا، بل ذريعة؛ ولا تعود العدالة نتيجة، بل أداة.
الفارق ليس قانونيًا، بل سياسيًا بحتًا:
حين يكون الشخص جزءًا من المنظومة المتعاونة مع واشنطن، تُحترَم الإجراءات ويُترك باب العفو مفتوحًا.
وحين يكون خصمًا، يُعاد تعريف القانون وتُقدَّم القوة بوصفها عدالة سريعة.
الضحايا الصامتون: حين تُنفَّذ “العدالة” بالرصاص
وإذا كانت واشنطن تُعاقب قضاة لأنهم اقتربوا من حليفها، فكيف تبرّر سقوط ضحايا حين قرّرت “إحضار” خصمها بالقوة؟
حتى لو افترضنا—جدلًا—أن إدارة دونالد ترامب كانت تنفّذ “أمرًا قضائيًا” بإحضار رئيس دولة للمثول أمام القضاء الأميركي، يبقى السؤال الذي لا جواب له: ما ذنب الذين قُتلوا خلال عملية الأسر أو الخطف؟
القضاء، في أي نظام قانوني، لا يملك تفويضًا بإيقاع عقوبة الموت على طريق تنفيذ مذكرة توقيف.
العدالة تُحضِر المتهم إلى المحكمة، لا تُنشئ ساحة قتال. وأي دمٍ يُسفك في مسار “إحضار قضائي” يُسقط فورًا ادّعاء سيادة القانون، ويحوّل الإجراء من مسار قانوني إلى فرض إرادة بالقوة.
إذا كانت العملية قضائية، فلماذا سقط قتلى؟
وإذا كانت عسكرية، فلماذا أُلبِست ثوب العدالة؟
هنا تنكشف الفجوة الأخطر: الخلط المتعمَّد بين إنفاذ القانون واستخدام القوة. فالقانون الدولي لا يعترف بولايةٍ قضائية تُنفَّذ خارج الحدود بدماء آخرين، ولا يجيز قتل أشخاص لا صلة لهم بالتهم المزعومة تحت أي ذريعة.
بهذا المعنى، الضحايا ليسوا تفصيلًا جانبيًا، بل جوهر القضية: الدليل على أن ما جرى لم يكن إجراءً قضائيًا، بل عملية قسرية جرى البحث لها لاحقًا عن غطاء قانوني.
عيب الإحضار لا يُبطل الدعوى… إلا إذا كان الحليف
في الفقه الأميركي، يمكن للمحاكم أن تتجاوز “عيوب طريقة الإحضار” طالما أنّ المتهم بات أمامها.
لكن هذا المنطق يتبخّر عندما يكون المطلوب حليفًا. عندها تُستعاد كل الذرائع: الاختصاص، السيادة، السياسة، وحتى “السلم العالمي”.
ازدواجية فاضحة: القانون مرن مع الحلفاء ، صارم مع الخصوم .
الاستثناء قاعدة تُبرَّر كل تجاوزات واشنطن بحجج أخلاقية : مكافحة الإرهاب، المخدرات، حماية الديمقراطية.
لكن حين تتراكم الاستثناءات، تتحوّل إلى قاعدة. وحين تُطبَّق القاعدة على الخصوم فقط، يصبح القانون أداة هيمنة لا ميزان عدل.
المسألة لم تعد محاكمة فرد أو نظام.
المسألة أنّ العدالة الأميركية فقدت مسافة الأمان بينها وبين القرار السياسي.
وحين تفقد العدالة هذه المسافة، تتحوّل من قيمة إلى وظيفة، ومن ميزان إلى عصا.
الولايات المتحدة تريد عالمًا “يحترم القانون”لكن وفق تعريفها، وبحدودها ، وباستثناءاتها ،
أمّا الباقي، فعليه أن يقف في قفص الاتهام… حتى لو كان القانون نفسه هو المتهم.
