الصين وروسيا وإيران… حلفٌ ممنوع من الصرف
الصين وروسيا وإيران… حلفٌ ممنوع من الصرف
علي منصور -ليبانغيت
رغم تقاطع مصالح الصين وروسيا وإيران، وامتداد نفوذ حلفائهم من أميركا الجنوبية إلى غرب آسيا، لا يتشكّل تحالفٌ صلب ومتماسك قادر على مواجهة الولايات المتحدة بوصفها قوة واحدة. ولا يعود ذلك إلى غياب الرغبة وحدها، بل إلى اختلافٍ بنيوي في طبيعة التهديدات، وتباينٍ في الأولويات، وتناقضٍ عميق في حسابات الربح والخسارة بين هذه القوى
أولًا، لا تنطلق هذه الدول من رؤية استراتيجية موحّدة.
الصين قوّة صاعدة تخشى أي صدام شامل قد يعرقل مشروعها الاقتصادي العالمي، لذلك تُفضّل صراعًا طويلًا وباردًا على مواجهة مفتوحة غير محسوبة. روسيا، في المقابل، قوّة عسكرية ذات قدرة عالية على التعطيل والضغط، لكنها تعاني من اختناق اقتصادي وتفتقر إلى مشروع عالمي جامع يمكن للآخرين الاصطفاف خلفه. أمّا إيران، فهي لاعب إقليمي يركّز على البقاء وتوازن الردع أكثر من سعيه إلى قيادة نظام دولي بديل. هذا التباين في الموقع والدور يجعل أي تحالف شامل غير متوازن بطبيعته.
ثانيًا، يفتقد هذا المعسكر إلى عنصر الثقة المتبادلة.
فالعلاقة بين موسكو وبكين، على الرغم من تقاربها الظاهر، محكومة بحذرٍ عميق . الصين لا ترغب في الارتهان إلى روسيا، وروسيا تخشى التحوّل إلى تابع اقتصادي للصين. أمّا إيران، فتنظر بعين الريبة إلى استعداد شركائها للمساومة عند أول اختبار كبير، كما حصل مرارًا في ملفات العقوبات والاتفاقات الدولية. والتحالف الصلب لا يُبنى على تقاطعات ظرفية، بل على ضمانات متبادلة وقدرة على تحمّل الكلفة الجماعية.
ثالثًا، تلعب الولايات المتحدة دورًا نشطًا في منع تبلور هذا التحالف عبر سياسة التفكيك لا المواجهة الشاملة.
تفاوض مع روسيا حينًا وتضغط عليها حينًا آخر، تُصعّد اقتصاديًا مع الصين وتتفادى الحرب، وتُحاصر إيران وتبقيها تحت الضغط والتهديد باسقاط نظامها . هذه الإدارة التفاضلية للصراعات تمنع الخصوم من الإحساس بأنهم في خندق واحد، وتُبقي كل طرف منشغلًا بأزمته الخاصة.
رابعًا، يفتقر هذا المحور إلى بنية مؤسساتية جامعة.
لا يوجد ما يشبه تحالفًا بعقيدة واضحة، أو قيادة موحّدة، أو آليات قرار ملزمة. الموجود هو شبكة علاقات مرنة تسمح بالتنسيق والتعاون، لكنها لا ترقى إلى مستوى تحالف صدامي يتطلّب استعدادًا لتحمّل تبعات استراتيجية طويلة الأمد.
في المحصّلة، لا تواجه الولايات المتحدة خصمًا واحدًا، بل خصومًا متعدّدين غير متزامنين. وهذا تحديدًا ما يمنحها أفضلية استراتيجية. فالخطر الحقيقي عليها لا يكمن في قوة الصين وحدها، ولا في تعطيل روسيا، ولا في نفوذ إيران، بل في لحظة نادرة تتلاقى فيها هذه القوى ضمن رؤية واحدة وتوقيت واحد. وحتى الآن، تنجح واشنطن في تأجيل تلك اللحظة، لا بالقوة فقط، بل بإدارة الانقسام داخل معسكر خصومها.
سؤال المرحلة… بلا جواب
إذا كان تفوّق الولايات المتحدة لا يقوم فقط على فائض القوة، بل على قدرتها على إدارة الانقسام داخل معسكر خصومها، فإن السؤال يبقى: إلى متى يمكن لهذا النموذج أن يصمد؟
الصين تُحاصَر من دون أن تُدفَع إلى الحرب، روسيا تُستنزَف من دون أن تُكسَر، وإيران تُهدَّد من دون مواجهة مباشرة. لكن التاريخ يُظهر أن الضغوط المتزامنة، حتى وإن اختلفت دوافعها، قد تتحوّل في لحظة ما إلى نقطة التقاء نادرة.
هنا لا تعود المسألة مسألة نوايا، بل مسألة زمن.
فإمّا أن تنجح الولايات المتحدة في تأجيل لحظة التلاقي إلى أجل غير مسمّى، وإمّا أن يكون هذا الضغط المتعدّد نفسه هو العامل الذي يُسرّع، على نحوٍ معاكس، ولادة التحالف الذي تعمل على منعه منذ عقود.
