ما الذي تخشاه إيران في إسطنبول… وتبحث عنه في مسقط؟

 ما الذي تخشاه إيران في إسطنبول… وتبحث عنه في مسقط؟

ما الذي تخشاه إيران في إسطنبول… وتبحث عنه في مسقط؟

حسابات طهران بين الردع والتسوية

علي منصور – ليبانغيت

في تطوّر مفاجئ حمل دلالات سياسية تتجاوز البُعد البروتوكولي، طلبت إيران نقل اللقاء المرتقب يوم الجمعة 6 شباط/فبراير 2026 بين وزير خارجيتها عباس عراقجي ومبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف – ومعه جاريد كوشنر وفق بعض التقارير – من مدينة إسطنبول إلى مسقط في سلطنة عُمان.

غير أنّ أهمية الخطوة لا تكمن في تغيير المكان بحد ذاته، بل في جوهر الطلب الإيراني المتمثل بتحويل اللقاء إلى تفاوض ثنائي بحت، محصور بالملف النووي فقط، ومن دون مشاركة أو حتى حضور مراقبين أو ممثلين عن دول إقليمية أو أطراف ثالثة، بما في ذلك تركيا، قطر، مصر، السعودية، الإمارات، باكستان، وحتى عُمان نفسها كوسيط مباشر.

ووفق معلومات متقاطعة، وافقت إدارة ترامب مبدئيًا على نقل مكان اللقاء إلى مسقط، فيما لا تزال المفاوضات جارية حول طبيعة الإطار التفاوضي، وسط مؤشرات إلى قبول أميركي أولي بحصر النقاش في الملف النووي، وتأجيل الملفات الخلافية الأخرى، كالصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، إلى مراحل لاحقة إن قُدّر للمسار أن يستمر.

تحوّل مفاجئ في الشكل… لا في الهدف

تكتسب هذه الخطوة وزنها من توقيتها. فبعد أقل من يومين فقط على الإعلان الأولي عن لقاء إسطنبول – الذي كان مُخططًا له أن يكون قمة متعددة الأطراف بمشاركة وزراء خارجية دول إقليمية وازنة (تركيا، باكستان، مصر، قطر، السعودية، الإمارات، عُمان)، في محاولة لصياغة صفقة شاملة تُجنّب المنطقة مواجهة عسكرية – عادت طهران لتقلب الطاولة، وتعيد تعريف شكل التفاوض وحدوده.

هذا التحوّل لا يعني تعثّر المفاوضات ، بل يعكس إعادة تموضع دقيقة: من طاولة مفتوحة قابلة لتراكم الشروط، إلى غرفة مغلقة ذات جدول أعمال ضيّق، تُدار فيها المقايضة وفق إيقاع تتحكم به طهران.

ضبط الأجندة: النووي أولًا وما عداه مؤجَّل

في أي صيغة متعددة الأطراف، تدرك إيران أنها ستكون أمام طاولة مزدحمة بالمطالب. دول إقليمية تعتبر النفوذ الإيراني وبرنامجه الصاروخي تهديدًا مباشرًا، ولن تتردد في توسيع جدول الأعمال ليشمل ملفات تتجاوز النووي، ما يُضعف موقع طهران التفاوضي ويُدخلها في مساومات شديدة التعقيد.

في المقابل، ترى القيادة الإيرانية أن الملف النووي هو الساحة التفاوضية الوحيدة القابلة للإدارة حاليًا، حيث يمكن تقديم تنازلات تقنية أو مرحلية في نسب الإثراء النووي أو آليات الرقابة، مقابل إلغاء أو تخفيف العقوبات، من دون المساس بجوهر نفوذها الإقليمي أو فتح باب مقايضات شاملة.

مسقط كخيار سياسي: السرّية بوصفها أداة تفاوض

اختيار مسقط ليس تفصيلًا تقنيًا. فالسلطنة تمتلك سجلًا طويلًا في استضافة قنوات تفاوض خلفية بين طهران وواشنطن، وتُعدّ بيئة مناسبة للمحادثات الحساسة بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والضغط السياسي.

الانتقال من إسطنبول – المدينة المفتوحة سياسيًا وإعلاميًا – إلى مسقط يعني تقليص احتمالات التسريب، ومنح الطرفين هامشًا أوسع لاختبار النيات، خصوصًا في ظل ضغوط داخلية تواجهها القيادة الإيرانية، حيث يرفض التيار المتشدد أي تسوية علنية قد تُفسَّر كتراجع سياسي.

السرّية لحماية الردع

إيران منفتحة على تقديم تنازلات مدروسة في الملف النووي، لكن بشرط أن تتم عبر قناة ثنائية مغلقة مع الولايات المتحدة، بعيدًا عن أعين الحلفاء والخصوم على حدّ سواء. هذا الخيار لا يعكس ضعفًا، بل إدارة محسوبة للصورة الاستراتيجية التي تحرص طهران على تثبيتها إقليميًا، حيث لا تقل معركة الانطباع أهمية عن معادلات القوة.

فإيران لا تتفاوض بصفتها دولةً معزولة، بل باعتبارها مركز شبكة نفوذ إقليمية تمتد من العراق إلى لبنان واليمن، مع بقايا حضور محدود في بعض الجغرافيا السورية. وأي تنازل علني، خصوصًا إذا جرى على طاولة متعددة الأطراف، قد يُفسَّر في البيئات الحليفة بوصفه رضوخًا تحت الضغط، أو استعدادًا للمقايضة على حساب هذه الساحات، أو قبولًا ضمنيًا بسردية تسعى إلى تصوير هذا النفوذ كعبء تفاوضي قابل للتفكيك.

التفاوض كصورة سياسية: لماذا لا تريد طهران شهودًا؟

رفض إيران لأي إطار تفاوضي يضم مراقبين إقليميين لا يرتبط بالخوف من تسريب المعلومات بحدّ ذاتها، بل بالخشية من تحويل الإشارات التفاوضية إلى رسائل سياسية علنية خارج سياقها. فطهران تدرك أن الولايات المتحدة ستُطلع إسرائيل على مجريات التفاوض، وهذا معطى محسوب في استراتيجيتها.

لكن الفارق الجوهري يكمن في الإطار: فحين تبقى المفاوضات محصورة بقناة ثنائية مع واشنطن، تبقى الإشارات ضمن دائرة ضيقة، وتُقرأ كعناصر تفاوض تقنية قابلة للأخذ والرد. أما في حال وجود مراقبين إقليميين، فإن أي مرونة تكتيكية قد تتحول إلى رسالة سياسية عامة، يُعاد تأطيرها وتضخيمها وتوظيفها إعلاميًا، بما يُضعف السيطرة الإيرانية على كيفية تفسير ما يُقال.

تركيا خارج الغرفة: حدود الوساطة وبراغماتية المصالح

بالنسبة لتركيا، شكّل الطلب الإيراني مفاجأة دبلوماسية غير مريحة. أنقرة كانت قد استثمرت سياسيًا في استضافة اللقاء، سعيًا لتعزيز دورها كوسيط إقليمي قادر على جمع الخصوم. ورغم أن الخطاب الرسمي التركي حافظ على نبرة هادئة، إلا أن استبعاد أنقرة حتى من دور المراقب يعكس خيبة واضحة، في ظل تنافس إقليمي قائم بين البلدين.

ومع ذلك، من غير المرجّح أن يتطور هذا الفتور أو يطول، إذ تحكم العلاقات التركية–الإيرانية براغماتية عالية، وتعاون اقتصادي وأمني يجعل الخلافات قابلة للاحتواء.

قناة مفتوحة وسقف محسوب

التحوّل من إسطنبول إلى مسقط لا يعني تعثّر المسار الدبلوماسي، بل إعادة رسم شروطه. طهران تريد قناة تفاوضية مفتوحة، لكن بسقف ضيّق وغرفة مغلقة، فيما تُبقي واشنطن الضغط العسكري والسياسي قائمًا كرافعة ردعية.

نجاح هذا المسار قد يجمّد خيار المواجهة العسكرية في المدى المنظور، ويفتح نافذة تفاوض محدودة لكنها حقيقية. أما فشله، فيعيد دفع الملف إلى منطق الخيارات القاسية. وفي الحالتين، ما جرى بين إسطنبول ومسقط ليس تفصيلاً لوجستيًا، بل إشارة مبكرة إلى شكل الصراع المقبل… أو إلى ملامح تسوية كبرى تُدار بصمت وهدوء.

مقالات ذات صلة