هل يستخدم ترامب مفاوضات مسقط لرفع “العتب” قبل إعلانه الحرب ؟
هل يستخدم ترامب مفاوضات مسقط لرفع “العتب” قبل إعلانه الحرب ؟
علي منصور – ليبانغيت
في عُرف دونالد ترامب، كلّ شيء مباح في السياسة؛ فهو لا يتّبع نهجًا مؤسساتيًا في إدارته، وفي أغلب الأحيان يفاجئ المؤسسة بقرارات وإجراءات ينجزها ضمن دائرته الضيّقة.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يفرض السؤال نفسه بقوة في الكواليس الإقليمية والدولية:
هل تمثّل مفاوضات مسقط بين واشنطن وطهران محاولة جادّة لخفض التصعيد… أم مجرّد “رفع عتب” دبلوماسي من قِبل الأولى يسبق الحرب على الثانية؟
السؤال ليس افتراضيًا، بل يستند إلى سلسلة مؤشرات متناقضة تجعل من هذه الجولة اختبارًا فاصلاً، لا بداية مسار طويل.
هنا تحديدًا، تبرز فرضية أن مفاوضات مسقط لا تُدار باعتبارها حوارًا مع طهران فقط، بل كأداة لإدارة ضغوط متباينة داخل المعسكر الأميركي نفسه. إسرائيل، بوصفها أكبر حليف استراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة، تدفع باتجاه خيار عسكري حاسم، وتضغط لعدم السماح بتحويل التفاوض إلى مسار يقيّد اليد الأميركية أو يؤجّل المواجهة. بالنسبة إلى تل أبيب، المفاوضات ليست بديلًا عن الحرب، بل خطوة يجب أن تنتهي بإثبات أن الدبلوماسية قد استُنفدت.
في المقابل، تميل السعودية والإمارات، ومعهما شبكة أوسع من الشركاء الإقليميين لواشنطن، إلى منع الحرب وتفضيل تسوية مُسيطر عليها، لا بدافع التفاهم مع إيران، بل خشية كلفة انفجار إقليمي ستقع ارتداداته الأولى على أمن الخليج واقتصاده. وفي الاتجاه نفسه، ترى تركيا أن أي مواجهة ستخلخل توازناتها الإقليمية وتفتح جبهات يصعب ضبطها، فيما تنظر مصر إلى التصعيد بوصفه تهديدًا مباشرًا لاستقرار شرق المتوسط وقناة السويس في لحظة اقتصادية حسّاسة. أمّا قطر وعُمان، فتؤدّيان دور الوسيط العملي، انطلاقًا من إدراكهما أن الحرب لن تضرب طهران وحدها، بل ستصيب خطوط الطاقة والملاحة التي تقوم عليها مصالح المنطقة بأكملها.
وبين اندفاع الحليف الاستراتيجي الأول لواشنطن نحو الحسم العسكري، وتقاطُع مصالح شركاء يسعون إلى الاحتواء، تستخدم الولايات المتحدة مفاوضات مسقط كمساحة لإدارة هذا التناقض: إبقاء باب الصفقة مواربًا لطمأنة محور التهدئة، مع الاحتفاظ بسردية “جرّبنا الدبلوماسية” جاهزة لتأمين الغطاء السياسي لأي تصعيد إذا فشل التفاوض.
سردية “جرّبنا الدبلوماسية أولًا”
أولى الإشارات اللافتة جاءت من التوقيت. فالتحذير الأمني للمواطنين الأميركيين بمغادرة إيران فورًا صدر قبل ساعات فقط من انطلاق المفاوضات. في الأعراف الدبلوماسية، لا يُفهم مثل هذا الإجراء كخطوة روتينية، بل كإشارة إلى توقّع فشل سريع أو تصعيد وشيك. هنا، بدت واشنطن وكأنها تضع “إخلاء مسؤولية” مسبقًا، تحسّبًا لما قد يلي الطاولة.
يتعزّز هذا الانطباع مع التراكم العسكري الأميركي في الخليج وبحر العرب: حاملات طائرات إضافية، أصول جوية وبحرية متقدّمة، وتصريحات متكرّرة من الرئيس الأميركي بأن “الوقت ينفد”. هذه ليست أدوات ضغط تفاوضي فحسب، بل عناصر جاهزة لبناء سردية سياسية تقول: عرضنا التفاوض… الطرف الآخر رفض… والخيار العسكري فُرض علينا.
هذا المنطق ليس جديدًا على ترامب. ففي ولايته الأولى، انسحب من الاتفاق النووي، ثم انتقل مباشرة إلى سياسة “الضغط الأقصى”. واليوم، يبدو المشهد مألوفًا: مفاوضات بشروط قصوى (Maximalist Demands) تشمل التخصيب، والصواريخ، ودور إيران الإقليمي — وهي شروط تعرف واشنطن مسبقًا أنها تمسّ جوهر العقيدة الأمنية الإيرانية، وبالتالي يصعب قبولها.
بهذا المعنى، قد لا تكون مسقط منصة لصناعة اتفاق، بل مسرحًا لإنتاج شرعية سياسية مسبقة لأي تصعيد لاحق، خصوصًا إذا انهارت الجلسات سريعًا.
اختبار أخير… لا مسار مفتوح
في المحصّلة، تبدو مفاوضات مسقط أقرب إلى اختبار أخير قصير النفس، لا إلى مسار تفاوضي طويل. ميزان المؤشرات يميل إلى أن إدارة ترامب تستخدم هذه الجولة كمحطة “رفع عتب”، تمهيدًا لتبرير الهجوم العسكري، خصوصًا في حال رفضت إيران توسيع الأجندة لتشمل الصواريخ والنفوذ الإقليمي.
بين “رفع العتب” و“الفرصة الأخيرة”، تقف المنطقة على حافة قرار كبير:
إمّا هدوء هش وانفجار مؤجل …
أو انهيار التفاوض وفتح جحيم الحرب على مصراعيه.