هل تُحضّر واشنطن بديلاً لولي العهد السعودي؟ ولماذا أصبح خالد بن سلمان قناة بديلة في الكواليس؟
بعد تسع سنوات من الأزمات… هل تُحضّر واشنطن بديلاً لولي العهد السعودي؟
ولماذا أصبح خالد بن سلمان قناة بديلة في الكواليس؟
خاص- ليبانغيت
منذ توليه ولاية العهد رسميًا في 21 يونيو 2017، انتقل الأمير محمد بن سلمان في واشنطن من صورة “الشاب الإصلاحي” إلى توصيف أكثر تعقيدًا داخل مؤسسات القرار الأميركية: شريك استراتيجي عالي المخاطر.
لم تعد العلاقة الأميركية–السعودية تُدار وفقاً لمعادلات النفط والسلاح والدفاع فقط ، بل أصبحت خاضعة لمراقبة دقيقة من الكونغرس، ووكالات الاستخبارات، ومراكز الأبحاث الكبرى مثل CRS وCFR وCSIS.
التكلفة لم تعد جيوسياسية فقط، بل سياسية وأخلاقية وقانونية داخل الولايات المتحدة نفسها.
بين 2017 و2026، تراكمت محطات صادمة أعادت تعريف موقع ولي العهد داخل واشنطن: حصار قطر، حملة الريتز كارلتون، احتجاز سعد الحريري ، اغتيال جمال خاجقشي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، محاولة تصفية سعد الجبري في كندا ، حرب استنزاف في اليمن، ثم تصعيد مباشر ضد الحليف الإماراتي في الجنوب اليمني.
داخل الأرشيف السياسي الأميركي، لم يعد يُنظر الى محمد بن سلمان كقائد تحديث اجتماعي، بل كصاحب نمط اندفاعي متهور وكمُقامر سياسي من الدرجة الأولى .
2017: ثلاث صدمات متتالية
أولاً: حصار قطر – اختبار الاندفاعة
في 5 يونيو 2017 أعلنت السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع العلاقات مع قطر وفرض حصار شامل عليها.
تقرير لبلومبرغ (19 سبتمبر 2017) أشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حذّر الرياض من أي عمل عسكري ضد قطر ، معتبرا ان أي هجوم على الدوحة يعتبر اعتداء على واشنطن.
السبب لم يكن تعاطفًا سياسيًا، بل واقعًا عسكريًا: قاعدة العديد الجوية في قطر تمثل ركيزة أساسية للانتشار الأميركي في المنطقة.
في واشنطن، اعتُبر الحصار مؤشرًا مبكرًا على أن القيادة السعودية الجديدة تتحرك بسرعة غير محسوبة تفوق حسابات واشنطن .
ثانيًا: الريتز كارلتون – تركيز السلطة بالصدمة
في 4 نوفمبر 2017 أطلقت الرياض حملة اعتقالات واسعة شملت نحو 200 أمير ورجل أعمال ومسؤول سعودي ، واحتُجزوا جميعهم في فندق ريتز كارلتون.
رويترز وثّقت حجم الحملة وعدد المحتجزين.
نيويورك تايمز وHuman Rights Watch (تقرير 2019) تحدثتا عن تعذيب وضغوط مالية مورست على المحتجزين.
ظهرت شخصيات قريبة من واشنطن في دائرة الاستهداف، شملت الأمير محمد بن نايف والأمير متعببن عبدالله والمسؤول السابق خالد التويجري .
في واشنطن، لم تُقرأ الحملة كإجراء مكافحة فساد، بل كتحول جذري في هيكل الحكم عبر إضعاف مراكز التوازن داخل العائلة المالكة، وتركيز القرار في دائرة ضيقة، وتحويل النظام إلى هيكل يعتمد على شخص واحد. على قاعدة أنه كلما تقلصت دوائر القرار، ارتفعت المخاطر الاستراتيجية.
ثالثًا: احتجاز سعد الحريري – الأزمة التي هزّت الثقة الغربية
بعد الريتز ، وقعت الكارثة التي تجاوزت كل الأصول والأعراف :
احتجاز رئيس وزراء لبنان سعد الحريري بعد وصوله إلى السعودية في زيارة رسمية.
اعتبرت العواصم الغربية الخطوة خرقًا كارثيا لاتفاقيات فيينا، ودخلت كل من واشنطن وفرنسا على الخطسريعًا، قبل أن يتم ترتيب إطلاق سراح الحريري عبر ضغطٍ فرنسي قاده الرئيس مانويل ماكرون مباشرة ،فيما تولّت أبو ظبي صياغة المخرج الدبلوماسي للأزمة لتفادي انفجار أوسع . فاستضافت الحريري في زيارة سريعة التقى خلالها الشيخ محمد بن زايد ، ثم رتبت خروجه من الرياض لينتقل إلى العاصمة الفرنسية، وصولاً إلى بيروت التي تراجع فيها عن استقالته القسرية .
منذ تلك اللحظة، بدأ يتكرس داخل أروقة القرار الأميركي توصيف غير رسمي:
المشكلة لم تعد في السياسات السعودية وحدها، بل في أسلوب اتخاذ القرارات الاستراتيجية الفائقة الحساسية .
تقرير الـCIA: إنذار مبكر للرئيس الأميركي
أعقبت أزمة الحريري إحالة وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) تقريرًا خاصًا إلى البيت الأبيض، يتضمّنتقييمًا نفسيًا وسياسيًا لسلوك محمد بن سلمان.
وركّز التقرير على طبيعة قراراته غير المتوقعة ومخاطرها على استقرار السعودية والخليج. كما شدّد على ضرورة مراقبة المسار السياسي للقيادة السعودية بدقة، والتصرف بسرعة لاحتواء مخاطر وجود بنسلمان في سدة الحكم.
ورغم خطورة التقييم، قرر ترامب في ذلك الوقت منح ولي العهد فرصة جديدة، موجّهًا عبر صهره جاريدكوشنر مطالبة مباشرة بتخفيف التوتر الداخلي والإقليمي.
اغتيال جمال خاشقجي وانهيار السردية السعودية
في أكتوبر 2018، هزّت جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبولالعالم ووصلت أصداؤها إلى أروقة القرار في واشنطن والعواصم الكبرى .
مديرة الـCIA جينا هاسبل توجهت شخصيًا إلى تركيا في خطوة نادرة في البروتوكول الاستخباراتي — وعادت بتقييم شديد الوضوح رفعته للرئيس الأميركي دونالد ترامب كانت توصيته الأساسية “استقرارالسعودية والخليج في خطر… التغيير ضرورة عاجلة.”
تقرير مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية (ODNI) الصادر في 26 فبراير 2021 خلص إلى:
“نقيّم أن ولي العهد محمد بن سلمان وافق على عملية لاعتقال أو قتل جمال خاشقجي”، مستندًا إلى سيطرته المطلقة على أجهزة الأمن.
تقرير المقررة الخاصة للأمم المتحدة عام 2019 تحدث عن “أدلة ذات مصداقية” تستوجب التحقيق في مسؤولية مستويات عليا.
CSIS وصف الجريمة بأنها نقطة تحوّل في مستقبل العلاقة الأميركية–السعودية.
الكونغرس اشتعل غضبًا، وتصدر المشهد السناتور ليندسي غراهام بمواقف مباشرة ضد ولي العهد السعودي ، أبرزها إعلانه أن محمد بن سلمان “تورط” ويجب التعامل معه بصرامة.
منذ ذلك التاريخ، أصبح ملف خاشقجي سقفًا سياسيًا دائمًا داخل الكونغرس، وأصبح اسم محمد بن سلمان مرتبطًا رسميًا بتقييم استخباراتي أميركي.
قضية سعد الجبري: الحلقة التي أعادت فتح الملفات
لاحقًا، برز ملف محاولة اغتيال المسؤول الأمني السابق سعد الجبري في كندا، ما أعاد إلى طاولة واشنطنسؤالًا سابقًا:
هل يستطيع ولي العهد قيادة دولة حليفة بقرارات حكيمة ومستقرة؟
التقارير التي تدفقت عززت الشكوك داخل أجهزة الأمن القومي الأميركية.
بايدن ومحاولة إعادة تشكيل العلاقة
مع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض عام 2021، ساد شعور داخل الإدارة بأن العلاقة مع السعوديةبحاجة إلى إعادة ضبط.
محمد بن سلمان سعى إلى حماية موقعه عبر طلب دعم إماراتي في أروقة القرار في واشنطن ، ومن جهة اخرى تواصل مع اللوبي الإسرائيلي لتلميع صورته وتخفيف ضغط الكونغرس عليه مقابل تعهدات بتعاونسياسي وأمني واسعين مع اسرائيل. استطاعت ابو ظبي اعادة ترتيب علاقة بن سلمان مع البيت الأبيض وأسهمت في خفض التوتر مع إدارة الرئيس بايدن الذي زار السعودية والتقى بولي العهد كبادرة انفتاح أملتها الحرب الروسية-الأوكرانية.
الضربة العسكرية للإمارات… نقطة الانفجار
مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، بدا أن محمد بن سلمان يستعيد ثقته المفرطةبالنفس .
لكن ما حدث لاحقًا قلب كل الحسابات:
تنفيذ ضربة عسكرية ضد الإمارات، الحليف الأقرب للسعودية خلال العقد الأخير.
أدخلت واشنطن في حالة ذهول هزت دائرة الرئيس الضيقة هذه المرة.
غير أن التوتر تصاعد، خصوصًا بعد تقييمات أمنية أميركية تفيد بأن وتيرة القرارات السعودية أصبحتأكثر اندفاعًا وتهوراً .
تحليلات نشرتها War on the Rocks وCFR مطلع 2026 تناولت هشاشة التوازنات في الجنوب اليمني وتأثيرها على المصالح الأميركية البحرية والطاقة.
التقييم داخل الدوائر الاميركية :
هل يمكن ضمان ضبط التحالفات الإقليمية في ظل نمط القرارات الاندفاعية المتهورة ؟
خالد بن سلمان: التعويم الهادئ
في هذا السياق، برز اسم الأمير خالد بن سلمان: السفير السابق في واشنطن، ووزير الدفاع الحالي صاحب شخصية تتمتع بمناقبية عالية، غير صدامية ، ومنضبطة مؤسساتيًا.
تغطيات رويترز عن التعيينات في 2022، وتحليلات صادرة عن معهد واشنطن، أشارت إلى تعاظم دوره داخل منظومة الأمن والدفاع، ووصفته بعض التقارير بأنه “الأقرب” إلى واشنطن في نقل الرسائل الحساسة .
في 2026، عكست لقاءاته المتكررة مع مسؤولين أميركيين كبار حضورًا متقدمًا في الملفات الدفاعية.
لكن داخل أوساط بحثية وسياسية، طُرحت أسئلة عن تحول محمد بن سلمان من شريك موثوق إلى عبءٍ استراتيجي ، وعن إمكانية إيجاد شخصية غير مُكلفة سياسياً يمكن التعامل معها مؤسساتيًا؟
النمط المتبع كان لافتاً :
كلما اشتدت الضغوط حول محمد بن سلمان، ازداد الحضور الدولي لشقيقه.
في أروقة واشنطن، يتكرر توصيف غير رسمي:
“نحتاج إلى استقرار السعودية… مهما كان الاسم.”
البيت الأبيض يبحث عن بديل… واسم واحد يتقدم
مع اشتداد الأزمة، تجمعت توصيات لبعض
الأجهزة الأمنية الأميركية وأصوات في الكونغرس، حول طرح بديل لمحمد بن سلمان : شقيقه الأمير خالد .
وتم تقديمه كخيار قادر على تهدئة الساحة الخليجية، والتقدم بعملية السلام بخطى ثابتة
والحفاظ على الاستقرار الداخلي، مع ضمان استمرار الإصلاحات الاقتصادية وتجنب صدامات إقليمية غيرمحسوبة.
علاقة تعيش على الحافة
خلال تسع سنوات، انتقلت العلاقة بين واشنطن ومحمد بن سلمان من صداقة شخصية مع ترامب إلىحالة تراجع استراتيجي وثقة متآكلة.
الأحداث التي تراكمت ، من حصار قطر إلى الريتز، ومن احتجاز الحريري إلى اغتيال خاشقجي، ومنمحاولة قتل الجبري في كندا إلى الصدام مع الإمارات ، جعلت العاصمة الأميركية تتعامل مع ولي العهدالسعودي كـ ملف أمني سياسي ونفسي يحتاج مراقبة مستمرة.
ووسط هذا المشهد، يبقى مستقبل العلاقة الأميركية–السعودية مفتوحًا على احتمالات قد تعيد تشكيلهيكلية القيادة السعودية، وترسم موازين المنطقة بكاملها.
وفي المسافة بين الحاجة إلى استقرار المملكة وتفادي المخاطر السياسية، يتقدم اسم خالد بن سلمان… بهدوء، ومن دون ضوضاء .
مستقبل الحكم… لا مستقبل الرجل
في السياسة الأميركية، نادرًا ما تُبنى الاستراتيجيات على الأفراد، لكنها تُعيد حساباتها حين يصبح الفرد نفسه عامل مخاطرة.
سنوات من الأزمات لم تُنهِ مكانة السعودية في المعادلة الإقليمية.
المملكة تبقى محورًا للطاقة، وركيزة للأمن والدفاع ، ولا يمكن تجاوزها في أي هندسة جيوسياسية للشرق الأوسط.
لكن ما تغيّر هو أن واشنطن لم تعد تنظر إلى استقرار السعودية بوصفه مرادفًا تلقائيًا لاستمرار نمط القيادة الحالي.
داخل مؤسسات القرار الأميركي، تتشكل قناعة أكثر براغماتية:
التحالف مع الدولة شيء، وإدارة المخاطر المرتبطة بشخصية الحاكم شيء آخر.
لهذا لم يكن بروز خالد بن سلمان في الملفات الدفاعية مجرد تفصيل بروتوكولي.
ولم يكن توسيع قنوات الاتصال معه حركة عابرة.
بل قراءة احترازية لاحتمالات المستقبل المفتوح على مغامرات إضافية لولي العهد محمد بن سلمان .
…………………..
منهجية التحقيق
يستند هذا التحقيق إلى مراجعة أرشيفية لوثائق رسمية أميركية، وتقارير استخباراتية منشورة، وسجلات قضائية، وتحليلات صادرة عن مراكز أبحاث معترف بها في الولايات المتحدة وأوروبا، إضافة إلى تغطيات استقصائية لوسائل إعلام دولية كبرى.
شملت المصادر: تقرير مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية (ODNI) بشأن مقتل جمال خاشقجي (2021)، تقارير Congressional Research Service (CRS)، وتحليلات صادرة عن CFR وCSIS وThe Washington Institute، إلى جانب تقارير Reuters وThe New York Times وThe Washington Post وBBC، وتقارير حقوقية دولية وسجلات قضائية أميركية.
يعتمد التحقيق على مبدأ تقاطع المصادر، مع الفصل الواضح بين الوقائع الموثقة، والتحليلات البحثية، والاستنتاجات السياسية. ولا يستند إلى تسريبات غير منشورة أو مصادر مجهولة.
