حرب بذرائع افتراضية… ارتباك الرواية الأميركية

 حرب بذرائع افتراضية… ارتباك الرواية الأميركية

حرب بذرائع افتراضية… ارتباك الرواية الأميركية

علي منصور- ليبانغيت

منذ اندلاع الحرب الدائرة على إيران، بدا المشهد السياسي في واشنطن مشوبًا بقدر واضح من التناقض في التصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين الأميركيين، وعلى رأسهم الرئيس دونالد ترامب، ووزير الدفاع بيت  هيغسيث  ووزير الخارجية ماركو روبيو.لم  تعكس هذه التصريحات رواية موحدة عن أهداف الحرب ومسارها، بل كشفت في أكثر من مناسبة عن اختلاف في النبرة والرسائل، ما يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الاستراتيجية الأميركية نفسها.

الرئيس دونالد ترامب قدّم خطابًا متقلبًا بين التصعيد والتهدئة. ففي بعض تصريحاته شدّد على أن الضربات العسكرية تهدف إلى “إضعاف القدرات الإيرانية ومنعها من تهديد الاستقرار الإقليمي”، مؤكدًا أن الولايات المتحدة “لا تسعى إلى حرب شاملة”. غير أن تصريحات أخرى له حملت نبرة مختلفة تمامًا، إذ تحدث عن ضرورة “القضاء على  التهديد الإيراني نهائيًا”، ولوّح بإمكانية توسيع العمليات العسكرية إذا استمرت طهران في الرد. هذا التباين في خطاب الرئيس الأميركي يعكس ارتباكًا واضحًا بين خطاب يقدّم الحرب باعتبارها عملية محدودة، وآخر يوحي بأن واشنطن دخلت مواجهة مفتوحة ذات أهداف أكبر بكثير.

هذا التناقض ظهر أيضًا في تصريحات وزير الدفاع الأميركي، الذي حرص على التأكيد أن العمليات العسكرية “محدودة وذات أهداف دقيقة”، وأنها لا تستهدف إسقاط النظام في إيران بل تهدف فقط إلى ردع قدراته العسكرية. غير أن هذا التوصيف بدا متناقضًا مع طبيعة التي افتتحت باغتيال المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي وبالضربات التي طالت بنى تحتية عسكرية ومواقع استراتيجية داخل إيران، ما يطرح تساؤلات حول حدود هذه “العملية المحدودة” ومعناها الحقيقي على أرض الواقع.

أما وزير الخارجية ماركو روبيو، فقد قدم تبريرًا أكثر إثارة للجدل، حين قال إن إسرائيل كانت تنوي مهاجمة إيران، وإن طهران كانت سترد على القواعد الأميركية في المنطقة، ولذلك قررت الولايات المتحدة شنّ هجوم استباقي “للدفاع عن نفسها”. غير أن هذا التفسير يطرح إشكالية منطقية وسياسية في آن واحد. فبحسب هذه الرواية، لم تكن الولايات المتحدة تتحرك ردًا على هجوم إيراني فعلي أو حتى تهديد مباشر ووشيك لها، بل على احتمال ردّ إيراني على هجوم كانت إسرائيل تنوي تنفيذه.

بمعنى آخر، يصبح منطق الحرب هنا قائمًا على سلسلة من الافتراضات: هجوم إسرائيلي محتمل، يعقبه رد إيراني محتمل، قد يطال القواعد الأميركية. وعلى أساس هذه السلسلة الافتراضية جرى تبرير ضربة عسكرية فعلية. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تُعلن الحروب  على أساس احتمالات متخيلة لم تقع بعد؟ وهل يكفي تصور سيناريو افتراضي لتبرير فتح جبهة حرب واسعة؟

في المحصلة، تكشف التناقضات المتكررة في تصريحات المسؤولين الأميركيين عن مأزق واضح تعيشه واشنطن في صياغة روايتها للحرب. فبين الحديث عن عملية عسكرية “محدودة وردعية”، والتلويح في الوقت نفسه بتوسيع المواجهة، وبين تبرير الضربات بوصفها “دفاعًا عن النفس” استنادًا إلى سيناريوهات افتراضية، يتبدّى ارتباك واضح في الخطاب الأميركي.

هذا التباين لا يعكس فقط اختلافًا في النبرة السياسية، بل يوحي بأن القرار بالحرب سبق بناء الرواية التي تبرره. فبدل أن تقوم السردية الأميركية على وقائع واضحة أو تهديدات مباشرة، يجري تفسير الحرب عبر سلسلة من الاحتمالات المتخيلة التي لا تزال في دائرة الافتراض.

وهكذا، يبدو أن واشنطن لا تواجه فقط تحديات عسكرية في هذه الحرب، بل تواجه أيضًا تحديًا آخر لا يقل صعوبة: تقديم تفسير متماسك ومقنع لحربٍ اتُّخذ قرارها أولًا، ثم بدأ البحث لاحقًا عن المبررات التي تمنحها غطاءً سياسيًا وقانونيًا.

مقالات ذات صلة