ترامب… حين يهدد بما يخشاه
ترامب… حين يهدد بما يخشاه
علي منصور – ليبانغيت
ترامب لا يخاف من الصواريخ بقدر ما يخاف من شاشة أسعار النفط. في منشوره الأخير رداً على قصف إيران لمدينة راس لفان القطرية لصناعة الغاز الطبيعي المُسال (LNG)، بدا واضحًا أن المعركة بالنسبة له ليست في السماء… بل في البورصة .
لم يكن كلامه مجرد موقف سياسي عابر، بل كان محاولة واضحة لرسم “قواعد اشتباك اقتصادية” قبل أن تنفلت الأمور. هو لم يتحدث كقائد معركة، بل كحارسٍ لسوق النفط والغاز، مدركًا أن أي انفجار في هذا القطاع لن يضرب إيران أو الخليج فقط، بل سيصيب الولايات المتحدة في صميمها… من محطات البنزين إلى صناديق الاقتراع.
لكن المفارقة في كلامه، تكمن في التهديد ذاته.
ترامب هدّد إيران بتدمير حقل South Pars بالكامل إذا تجرأت ثانيةً على ضرب منشآت الغاز في قطر. أي أنه لوّح باستخدام السلاح نفسه الذي يخشاه: استهداف البنية التحتية للطاقة.
وهنا تكمن نقطة ضعفه. فما يهدد به ترامب هو تحديدًا السيناريو الذي يسعى بكل قوته لتجنّبه. لأنه يعلم أن استهداف منشآت بهذا الحجم لن يؤدي فقط إلى خسارة إيرانية، بل إلى زلزال في أسواق الطاقة العالمية، يرفع الأسعار بشكل جنوني، ويدفع الاقتصاد العالمي—والأميركي تحديدًا—نحو أزمة جديدة.
بمعنى آخر:
ترامب يلوّح بالقنبلة الاقتصادية… وهو أول من سيصاب بشظاياها.
في المقابل، تبدو إيران في موقع أكثر راحة ضمن هذه المعادلة. فهي لا تحتاج إلى تدمير شامل، بل إلى التهديد المدروس أو الضربات المحدودة في نقاط حساسة، لإبقاء السوق في حالة توتر دائم. وهذا وحده كافٍ لرفع الأسعار، وإرباك الحسابات الأميركية، وفرض ضغط سياسي داخلي على البيت الأبيض.
وهنا يتبدّل ميزان القوة.
فبينما تمتلك الولايات المتحدة التفوق العسكري، تمتلك إيران قدرة تعطيل السوق. وبين القوة والقدرة على الإرباك، تصبح المعادلة أكثر تعقيدًا.
أما الرسالة إلى إسرائيل، فهي أوضح مما تبدو عليه:
توقفوا عند هذا الحد.
ضرب South Pars يمكن احتواؤه، فلا تحولوه إلى ساحة حرب مفتوحة سيعني فقدان السيطرة على السوق، وليس فقط على الميدان.
وبين هذه الرسائل المتقاطعة، يظهر ترامب في موقع غير مريح:
يريد التصعيد… لكن دون أن يدفع ثمنه.
يريد الردع… دون أن يهتز السوق.
يريد الضغط على إيران… دون أن ترتفع أسعار الوقود في أميركا.
لكن هذه معادلة يصعب تحقيقها .
لأن الواقع الذي يحاول ترامب الهروب منه ، هو أن سلاح الطاقة لم يعد مجرد ورقة اقتصادية… بل أصبح سلاح ردع موازٍ للصواريخ.
وإذا كان يعتقد بأنه يوجع إيران بالصواريخ، فإن الأخيرة تؤلمه بالأسواق.
وفي هذه الحرب، قد لا يكون الرابح من يملك القوة…بل من يستطيع تحمّل كلفة استخدامها.
