من هرمز إلى باب المندب: إعادة توزيع الحرب
من مضيق هرمز إلى باب المندب: كيف يُعيد الاتفاق المحتمل توزيع ساحات الحرب؟
علي منصور – ليبانغيت
في سلسلة تصريحات لافتة، أعلن دونالد ترامب أنّ إيران “قدّمت لنا حوالي عشرين سفينة نفط كـ”علامة احترام“، مؤكداً أنّ المفاوضات مع طهران تجري بشكل مباشر وغير مباشر، وأنّ الأداء الأميركي فيها “ممتاز”، مع ترجيحه التوصل إلى اتفاق قريب. وذهب أبعد من ذلك بالقول إن ما قامت به الولايات المتحدة في إيران “يمكن اعتباره تغييراً للنظام”.
غير أنّ هذا الخطاب، عند تفكيكه، يكشف فجوة واضحة بين السردية الأميركية والواقع.
فـ”السفن النفطية” ليست هبة ولا تنازلاً، بل سفن تحمل العلم الباكستاني جرى السماح لها بالمرور، وهو ما يعكس نقطة قوة لإيران لا العكس، إذ إن التحكم بالممرات البحرية هو جوهر النفوذ، لا تقديم “علامات احترام”.
أما الحديث عن “تغيير النظام”، فهو بلا مضمون سياسي فعلي، ويقع ضمن إعادة صياغة الأحداث لخدمة خطاب داخلي أميركي. فالمؤشرات داخل إيران تسير في الاتجاه المعاكس، حيث يُعتبر انتخاب المرشد الأعلى الجديد السيد مجتبى خامنئي كإشارة إلى استمرارية النظام وترسيخه.
ولا يمكن فصل هذا الخطاب عن بُعدٍ آخر لا يقلّ أهمية، وهو محاولة التأثير على الأسواق، خصوصاً مع نهاية كل أسبوع. فترمب، الذي يدرك حساسية أسعار النفط لأي إشارة تتعلق بإيران، دأب على إطلاق تصريحات “إيجابية” حول المفاوضات في توقيت محسوب، يهدف إلى كبح موجات الارتفاع وخلق انطباع بقرب التهدئة. وقد شهدنا ذلك بوضوح في نهاية الأسبوع الماضي، حين ساهمت تصريحاته عن اقتراب الاتفاق في خفض أسعار المحروقات في الولايات المتحدة بنحو 8%، رغم غياب أي اختراق فعلي في مسار التفاوض.
بهذا المعنى، لا تبدو تصريحات ترمب موجّهة إلى طهران فقط، بل إلى المتداولين والأسواق العالمية أيضاً، حيث يتحوّل الخطاب السياسي إلى أداة ضغط مالي تُستخدم لضبط التوقعات وامتصاص “علاوة الخوف” التي ترفع الأسعار. وعليه، فإن تكرار هذا النمط مع نهاية كل أسبوع يوحي بأننا أمام إدارة متعمدة للإيقاع النفسي للسوق، لا مجرد مواقف سياسية عفوية.
في المقابل، تدخل طهران المفاوضات من موقع مختلف تماماً عمّا يوحي به الخطاب الأميركي، واضعة خطوطاً حمر واضحة:
▪️ رفض أي مساس ببنية النظام
▪️ التمسك بالقدرات الصاروخية والعسكرية
▪️ رفع العقوبات مقابل التزامات نووية مع ضمانات
▪️ رفض إدراج الدور الإقليمي على طاولة التفاوض
▪️ عدم التخلي عن السيادة على مضيق هرمز
غير أنّ أي حديث عن اتفاق لا يمكن فصله عن الجبهة اللبنانية المشتعلة وتعقيداتها المتعلقة بالداخل الإسرائيلي وطموحات نتنياهو في “أسطرة” نفسه أمام المجتمع اليهودي. فالعوائق لا تكمن فقط في تعقيد الجبهة، بل في رفض إسرائيل لأي صيغة حل من الأساس. فبنيامين نتنياهو لم يلتزم فعلياً بوقف إطلاق النار بعد حرب الـ66 يوماً عام 2024، ولم ينسحب من كامل الأراضي التي احتلها، بل يتجه نحو فرض وقائع دائمة في الجنوب اللبناني، عبر محاولة إنشاء حزام أمني شبيه بما سعت إليه إسرائيل في غزة وبعض المناطق السورية.
هذا يعني أن المشكلة لم تعد في غياب الحل، بل في وجود طرف لا يريد حلاً أصلاً، بل يسعى إلى تحويل الاحتلال إلى أمر واقع طويل الأمد وربما يدفعه جنونه إلى محاولات استيطانية.
في هذا السياق، تتمسك إيران بدعم حلفائها، وعلى رأسهم حزب الله، كجزء من منظومة الردع، فيما يصرّ الحزب على الاحتفاظ بسلاحه، مقابل إصرار إسرائيلي على إنهاء تهديده. هذا الاشتباك يجعل من لبنان عقدة تفاوضية ثقيلة ومستعصية في آنٍ معاً.
لكن الأخطر، أن أي اتفاق أميركي – إيراني محتمل، إن حصل، لا يعني نهاية الحرب، بل إعادة توزيعها. فقد نشهد وقفاً للمواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، مقابل استمرار الحرب بين إيران ولبنان واليمن من جهة وإسرائيل من جهة أخرى.
وهنا تبرز الأسئلة الحاسمة:
هل تستطيع إسرائيل مواجهة إيران من دون الغطاء الأميركي؟ وهل يمكن لواشنطن أن تترك تل أبيب وحدها؟
الجواب الواقعي: لا هذا ولا ذاك.
فالولايات المتحدة لا تستطيع التخلي عن إسرائيل، وإيران لا تستطيع التخلي عن حزب الله. وبالتالي، فإن أي اتفاق لن يُنهي الصراع، بل سيعيد تنظيمه.
وفي هذا الإطار، يكتسب الدخول المتأخر لحركة أنصار الله في اليمن بُعداً استراتيجياً أعمق. فمع احتمال تهدئة مضيق هرمز نتيجة أي تفاهم أميركي – إيراني، يصبح منطقياً نقل الضغط إلى البحر الأحمر وباب المندب، حيث يمكن التأثير على التجارة العالمية وسلاسل التوريد بكلفة أقل.
بهذا المعنى، لا يُمكن قراءة انخراط أنصار الله بوصفه مجرّد إسناد مباشر لإيران، بل كجزء من تموضع استباقي لمرحلة ما بعد أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران. فالحركة تبدو وكأنها تتهيأ لملء الفراغ الذي قد يخلّفه تراجع الحضور الإيراني المباشر في المواجهة، عبر الاستمرار في دعم الجبهة اللبنانية ومنع عزلها أو تركها وحيدة في مواجهة الضغوط.
وفي الوقت نفسه، يتيح هذا الدور لأنصار الله إعادة توزيع أدوات الضغط الإقليمي، من الخليج ومضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، بما يحافظ على مستوى عالٍ من الكلفة الاقتصادية والاستراتيجية على الخصوم، حتى في ظل تهدئة المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. بذلك، لا يكون الانخراط اليمني امتداداً للحرب فحسب، بل ضمانة لاستمرارها بأدوات مختلفة، وفي ساحات بديلة، ضمن معادلة ضغط طويلة النفس.
لسنا بالضرورة أمام اتفاق يُنهي الحرب، بل أمام احتمال اتفاق قد يغيّر شكلها أكثر مما يوقفها. فالمطروح ليس انتقالاً حاسماً إلى السلام، بل تحوّلٌ في نمط الاشتباك من مواجهة مباشرة إلى صراعٍ موزّع يعيد صياغة الجبهات بدل إقفالها.
المفاوضات تُدار بالنقاشات، نعم… لكنها تُضبط بإيقاع النار. فالمسار الحقيقي لأي اتفاق محتمل لا يُرسم في قاعات التفاوض وحدها، بل على خطوط التماس، من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان إلى البحر الأحمر، ومن القواعد الأميركية المنتشرة في الخليج إلى عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تُحدَّد موازين القوة التي تُترجم لاحقاً على الطاولة.
لهذا، حتى لو وُلد الاتفاق، فلن يكون نهاية الحرب بقدر ما سيكون إعادة توزيعٍ لأدوارها وساحاتها… تهدئةٌ في العنوان، واستمرارٌ في الواقع — ولكن بأدوات مختلفة، وضغوط لا تقل وطأة وسطوة.
