إهداء إلى عيون محمد صفا

 إهداء إلى عيون محمد صفا

إهداء الى عيون محمد صفا

مريم البسام- ليبانغيت

ان تكتب عن الحج وفيق عندما أصبح خارج الخدمة، ليس كمن يفعل أثناء وجوده هناك، في زاروبٍ على ريف حارة حريك، يقرّر ويهندس أمنًا للحزب والجوار، ويلتقي بزوارٍ ويتلقّى طلبات الأحياء، يناقش، يرمي برزمة معلومات، ثم يهاتف عزيزًا من الغرفة المجاورة «على الداخلي»، ويعود كاتمًا للأسرار.

كان اسمًا في الأخبار لأكثر من أربعين عامًا..
قبل الحرب، مكتبُه مقصدٌ لزائرين سائلين من مختلف الاتجاهات السياسية، حتى تلك التي لم تكن على ولاء لحزبه .

ومنذ حرب الـ٦٦ يومًا لم يخلَ موقعٌ صحافيّ أو جريدةٌ أو رأيٌ من ذكر آخر أنباء الحج وفيق؛ هذا يتوقّع عزله، وذاك تحييده حزبيًّا وتكليف قياداتٍ مكانه لتعبئة الموقع.

ومع كل تحليلٍ كان عليكَ أن تستشرف وتتوقّع، وتكاد تصدّق الخبرية من أن الحزب «قبع» وفيقًا من صفوفه وفرض عليه عقوباتٍ من نوع الإقامة الجبرية، لأن الكيمياء لم تكن تتفاعل وتنصهر مع الحزب بطبعته الجديدة.

ويتغافل كل من كتب وحلّل أن صفا اليوم ليس ما كان عليه بالأمس، وأن الحزب بمجموع قدراته وقياداته لم يعد ذلك الحزب الذي عرفناه قبل 8 أكتوبر.

كل ُما كان في هذا المفرق بحارة حريك والمؤدّي إلى مكتب ومنزل صفا قد اندثر، وهجرته الأقدام، وتكفّلت إسرائيل بتشويه معالمه المعمارية. ومن هناك كان المسؤول الأمني الأول في الحزب يتلقّى أولى الخسارات مع صوت تفجيري جاء على أجهزةٍ كانت للعلم والخبر.

في السابعَ عشرَ من أيلول سبتمبر ٢٤ انطفأت عيون ابنه محمد في جريمةٍ اخترقت خصورًا واقتلعت نور َ أبصار…، قتلت أحلام آلاف الشباب والصبايا، ولم تستثنِ أبناء نوابٍ وقياديين حزبيين.

كانت عيون أمّه تقول: خذوا عيوني، وكان والده قد أضحى في وضعٍ أمني لا يتيح له التنقّل، فيسترقُ الاطلالة على ولده تحت جنح المغامرة، أو يوفد من يأتي له بآخر تطوّرات وضعه الصحي.

مرّت الحرب على مسؤول التنسيق والارتباط من دون تنسيقٍ وارتباطٍ بعائلته ومحيطه إلا بما ندر. مات الرجل مرةً على قناة العربية، ولوحق مراتٍ من جواسيس ومسيّرات.
هدمت إسرائيل مبانٍ على رؤوس قاطنيها لأن راصدها أوشى لها بوجود الحج وفيق في هذا المبنى أو ذاك.

شاهد صفا نبأَ اغتياله وتأكد من أنه لاقى نحْبَه على قنوات إسرائيلية وعربية كخبرٍ عاجل، وأيقن مذ ذاك التاريخ أن كل يومٍ يعيشه بعد ذلك هو إضافةٌ غير محسوبة.

مسؤول اللجنة الأمنية في الحزب أصبح خارج التغطية والتواصل منذ ذلك الحين، إلا بمناسباتٍ محدودة، وبعضها واجبٌ ضروري كظهوره في يوم تشييع السيد، أو في الذكرى الأولى للاغتيال، أو في ترتيبات ظهوره (غير الموفّق) خلال إضاءة صخرة الروشة، وهي الاطلالة التي جاء نسيمها أبشع من نفّاثات ِسيجارة الإيكوس، ومضمون فيديوهاتها أكثر تفاهةً من مهوار علي برو.

وما خلا تلك الظهورات، صار الحج وفيق قنبلةً موقوتةً ومصدر خطر، وعلامة ظهوره ستعني أن العدو سيشغّل محركاته ومسيّراته لملاحقة الهدف.

كثرٌ ممن كانوا على وصالٍ معه صاروا غرباء، قطعوا التنسيق والارتباط، لا يكلّفون أنفسهم العناء حتى بالسؤال من البعيد وعبر الحمام الذي كان زاجلًا.

كثرٌ من الجالسين في مكتبه، في لحظةِ فائضِ قوة، أصبحوا يتحاشون ارتكابَ جريمة الاطمئنان.

كانوا «أصحاب ولا أعزّ»، أحبّاءه اللزم، شركاء في الخبر والتحليل وأحيانًا التمويل من صوب الحزب (والله أعلم)، ومنهم من يقصده لمخابرة الدولة وأجهزتها وتنسيق مواعيد لهم ولأولادهم ولأحفادهم من بعدهم.

“ياما أكتر حبابي لمّن كرمي دِبس ”

غابت ساعات الصفا، وحلّ مكانها زمن التحليل شديد الانفجار، والذي قاد مختصّين في العلم الصفوي إلى رسم مستقبل الحج وفيق وكتابة آخر سطوره.

انقطعت شبكة التواصل مع «المحبّين» من ذوي الاحتياجات السياسية الخاصة، وبينهم من شيّد عماراته السياسية بتنسيقٍ مع الحج، فأصبح يفضّل اتّباع بروتوكول كورونا في التباعد الاجتماعي.

فكّكوا شبكة الارتباط والوحدة غير المؤهّلة للتواصل، وأصبحت ساعة ربطها موصولة على ساعات تفجير.

شوهد الحج وفيق داخلًا إلى إحدى المستشفيات من البيئة الصديقة، فتباعدت الجموع: «كأنهم حُمُرٌ مستنفرة، فرّتْ من قَسْوَرة».

يقول مطّلعون على واقعه مؤخراً إن الموقع الذي شغله لأربعة عقود ما عاد يوائم حركته شبه المقعدة، فلماذا لا يتنحّى ويستقيل؟ وغدًا يوم حزبي آخر..

بكل بساطة، انفضّ المحبّون، المستفيدون، الغارقون في ترسيم علاقاتٍ مع زبائن جدد منزوعي الخطر.

لم يقبعْ أحدٌ أحدًا، ولم يرمِ الحزبُ الحرْم َعلى صفاه، بل كانت نهايةٌ طبيعية لرجلٍ أصبح بلا عنوان، يشبه في حالته وضعية حزبٍ أرهقته الحرب.. خسر كثيرًا لكنه لم ينتهِ، وبات عليه اليوم أن يتقبّل واقعًا مستجدًّا فرضته معادلاتٌ جديدة.

أخطأ الحج وفيق يومًا في رسائل «قبع البيطار»، وأخطأ معه صحافيون في لعب دور ناقل الرسائل و«فاعل الخبر»، وأصبحت هذه العبارة الشهيرة لعنةً تلاحق الرجل الأمني الأول من دون أن تدخل حيّز التنفيذ، لأن قاضي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت لم تعطّله كلمة، بل نهجٌ مرفوض له كلام آخر.

ما أقوى البلطجيين الذين يرفعون سواعدهم نصرًا لدى سماعهم خبر استقالة الحج وفيق وقبولها من الحزب، ما أمْرَغهم في التعليق وهم يبشّرون الدنيا بأنهم انتصروا عليه.

وما أرخص الأصحاب من ذوي الإفادة، أولئك الذين سحبوا أياديهم من أي علاقةٍ أو تعليق، لكأنهم لم يمرّوا يومًا على الحج وفيق.

فهو الحج نفسه الذي بايعوه قبل أشهرٍ قليلة من الحرب، عندما وصلت طائرة إماراتية الى مطار الرئيس الشهيد رفيق الحريري لتقله إلى الإمارات، وكادت الرحلة أن تطرق أبواب السعودية.

وهو عينُه من تداولتم عملته السياسية منذ أيام «كشف المصير» وعدوان تموز وشبكة تحرير الأسرى.

لم تغيّركم حرب، فأنتم على ما أنتم، من حلفاء وخصوم، تبايعون حيث تسترزقون.
فالى عيون محمد الملتقطة خيوطاً بعيدة من قرص الشمس ,
أغمضْ آخرَ الضوء في عينيك َ.. تراهم ..

مقالات ذات صلة