ترامب: إشعال النار ثم بيع الطفاية

 ترامب: إشعال النار ثم بيع الطفاية

ترامب: إشعال النار ثم بيع الطفاية

من «فضيحة بلا إدانة» إلى مأزق انتخابي: كيف تضغط ملفات إبستين على ترامب… ولماذا يصبح اتفاق إيران ضرورة لا خيارًا

علي منصور- ليبانغيت

رغم أن الوثائق الأخيرة المرتبطة بفضيحة جيفري إبستين لا تُدين دونالد ترامب قانونيًا حتى الآن، إلا أن السياسة الأميركية لا تنتظر المحاكم لتُصدر قراراتها. ففي موسم انتخابي محتدم، يكفي الشك، ويكفي الإيحاء، ويكفي التراكم، لتحويل «اللا إدانة» إلى عبء سياسي ثقيل.

الإدانة السياسية… حين تسبق القضاء

الملفات المنشورة لا تقول إن ترامب مذنب، لكنها لا تقول أيضًا إنه خارج المشهد. وبهذا المعنى، فهي لا تُغلق القضية، بل تُبقيها حيّة، قابلة للاستدعاء في أي مقابلة، وأي حملة، وأي إعلان انتخابي.
وفي السياسة الأميركية، الفضائح التي لا تنتهي أخطر من الفضائح التي تُحسم.

الانتخابات النصفية: معركة الأغلبية لا الرئاسة

الخطر الحقيقي لا يكمن في المحاكم، بل في انتخابات نوفمبر النصفية. فخسارة الحزب الجمهوري للأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ تعني انتقال المعركة إلى مستوى آخر من المواجهة الداخلية مع الحزب الديمقراطي، وبخاصة الجناح التقدمي داخله، مما سيؤدي إلى تشكيل لجان تحقيق مفتوحة، واستدعاءات واستجوابات، وإعادة إحياء ملف العزل، إضافة إلى شلل تشريعي وإداري.

وهو السيناريو الذي حذّر منه ترامب بنفسه سابقًا، حين قال إن خسارة الأغلبية ستفتح الباب أمام «مطاردة سياسية بلا نهاية». عندها، يصبح الرئيس بطة عرجاء: حاضر في البيت الأبيض، محاصر في الكونغرس، ومقيّد في الحركة.

اجتماع أنقرة… محاولة كسر الطوق

في هذا السياق الضاغط، تكتسب جلسة المفاوضات المرتقبة في أنقرة أهمية استثنائية. فلقاء وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يوم الجمعة المقبل ليس مجرد محطة دبلوماسية، بل ورقة سياسية ثقيلة في يد ترامب. التوقيت هنا ليس تفصيلًا، فملفات إبستين تضغط، والانتخابات تقترب، والاقتصاد في وضع حساس، وأسواق الطاقة لا تتحمّل صدمات جديدة.

بين الحرب والصفقة: الحساب الترامبي

من جهة، تضغط إسرائيل باتجاه شروط قصوى، من تفكيك كامل ونهائي للبرنامج النووي الإيراني، ونزع كامل القدرات الصاروخية الباليستية الإيرانية، إلى تجريد إيران من كل أدوات الردع.
ومن جهة أخرى، يدرك ترامب أن أي ضربة عسكرية قد لا تنتهي عند حدود «الردع»، بل قد تتدحرج إلى حرب استنزاف طويلة، تنعكس فورًا على أسعار الطاقة، وتزيد مستويات التضخم في اقتصاد بلاده، وتضرب سوق الأسهم، وتقلب المزاج الانتخابي الأميركي. وهنا، يصبح الخيار العسكري مخاطرة انتخابية، لا ورقة قوة.

صفقة الحدّ الأدنى: تقييد النووي مقابل رفع العقوبات

في الحسابات الترامبية الباردة، لا تبدو الحاجة ملحّة لفرض تفكيك شامل على إيران، بقدر ما تكفي صفقة حدّ أدنى ذكية تقوم على تقييد البرنامج النووي لا اجتثاثه.
فالاكتفاء بوقف التخصيب داخل الأراضي الإيرانية، ونقل اليورانيوم المخصب إلى إطار دولي خاضع للرقابة، مع تشديد آليات التفتيش على المنشآت النووية، قد يكون كافيًا ليُقدَّم داخليًا في واشنطن كـ«إنجاز تاريخي»، من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

اللافت أن هذا الطرح لم يعد مرفوضًا بالكامل في طهران. فالإيرانيون باتوا، في الآونة الأخيرة، أكثر انفتاحًا على تقييد البرنامج النووي — لا تفكيكه — إذا ما اقترن برفعٍ كامل وشامل للعقوبات التي أنهكت الاقتصاد الإيراني، بشرط عدم المساس ببرنامج الصواريخ الباليستية الذي تعتبره طهران حجر الزاوية في عقيدتها الدفاعية.

تقاطع المصالح… لا تطابقها

هذا السقف التفاوضي يخلق منطقة تقاطع نادرة، فيحصل ترامب على «وقف التخصيب» كعنوان انتخابي ضخم، وتحصل إيران على رفع العقوبات واستعادة التنفّس الاقتصادي، ما يجنّب الطرفين الحرب، ويعطي الأسواق الأميركية إشارة استقرار.

أما مطلب نزع القدرات الصاروخية الإيرانية — الذي تصرّ عليه إسرائيل — فيبقى خارج هذه الصفقة، لأن إدراجه يعني عمليًا نسف أي احتمال للاتفاق، والدفع نحو التصعيد، وهو خيار لا يخدم المصلحة الانتخابية لترامب في هذه المرحلة الحسّاسة.

الاتفاق… كإنقاذ سياسي

في حال نجحت مفاوضات أنقرة، أو مهّدت لمسار تفاوضي جدي، سيجد ترامب نفسه أمام فرصة نادرة لتحويل الأزمة إلى إنجاز.
والأرجح أن خطابه سيكون على النحو الآتي، مع مسحة من المفارقة السياسية:

«لقد ورثنا عالمًا على شفير الحرب، وها نحن نُنقذ البشرية من الدمار النووي».

المفارقة هنا أن الحرب التي «أنقذ العالم منها» ستكون — إلى حدّ بعيد — مناخًا صنعه ترامب بنفسه، عبر التصعيد، والتهديد، وسياسة حافة الهاوية.
لكن في السياسة، لا يُسأل عمّن أشعل النار… بل عمّن ظهر في الصورة وهو يحمل مطفأة الحريق.

صفقة «كافية» بدل حرب شاملة

في هذا السياق، لا يبحث ترامب عن اتفاق مثالي، بل عن اتفاق كافٍ سياسيًا يوقف العناوين النووية المقلقة، ويُسوّق كنجاح دبلوماسي، ويُستخدم كورقة موازنة في مواجهة تداعيات ملفات إبستين.

وهكذا، تتحوّل صفقة تقييد النووي — لا نزعه — إلى مخرج انتخابي، أكثر منها تسوية استراتيجية طويلة الأمد.

ملفات إبستين قد لا تُسقط ترامب قضائيًا، لكنها قادرة على إضعافه انتخابيًا.
والانتخابات النصفية هي نقطة التحوّل:
إما تثبيت الأغلبية وحماية الرئاسة،
أو خسارتها والدخول في نفق التحقيق والعزل والتقييد.

في هذا المشهد، تتحوّل مفاوضات أنقرة إلى مفصل سياسي حاسم في حسابات ترامب، بوصفها محاولة لكسر الطوق السياسي، وورقة إنقاذ يُتقن ترامب — بسخرية التاريخ — تقديمها على أنها «انتصار للسلام»، حتى لو كان السلام نفسه ثمرة أزمة صنعها بيديه.

مقالات ذات صلة