هل مرّ الكوماندوس الإسرائيلي عبر صمتٍ سوري مقصود؟
هل مرّ الكوماندوس الإسرائيلي عبر صمتٍ سوري مقصود؟
خاص- ليبانغيت
لم يكن الإنزال الإسرائيلي الذي استهدف بلدة النبي شيت في البقاع مجرّد عملية عسكرية محدودة، بل حادثة تحمل في طياتها أسئلة سياسية وأمنية أوسع بكثير من تفاصيلها الميدانية. فبحسب الوقائع المؤكدة ، دخلت قوة كوماندوس إسرائيلية من جهة السلسلة الشرقية للبنان بعد قيامها بإنزالٍ في الأراضي السورية ، قبل أن تتقدم باتجاه الأراضي اللبنانية بمركبات عسكرية حتى وصولها إلى ساحة بلدة النبي شيت ، حيث توجهت إلى جبانة آل شكر في محاولة لاستخراج جثة مدفونة تعتقد اسرائيل بأنها تعود للطيار الإسرائيلي المفقود منذ أكثر من أربعين عاماً رون أراد .
هذا المسار يضع الأنظار مباشرة على الجانب السوري. فإنزال قوة كوماندوس اسرائيلية مع كافة مركباتها وتجهيزاتها في الأراضي السورية، ثم دخولها إلى الأراضي اللبناني يفترض، من حيث المبدأ، أن يدفع السلطات السورية إلى إبلاغ الجانب اللبناني بالإنزال . إلا أن ما حدث، وفق المعلومات ، يشير إلى أن أي تبليغ رسمي لم يصدر، وهو ما يفتح باب التساؤل حول أسباب هذا الصمت.
التفسير يرتبط بالتحولات السياسية الجارية في المنطقة، ولا سيما الحديث المتزايد عن قنوات تفاوض مباشرة بين دمشق وتل أبيب، تسعى إلى بلورة ترتيبات أو تفاهمات أمنية في المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، قد يكون مرور قوة إسرائيلية عبر الأراضي السورية باتجاه هدف داخل لبنان أمراً لم يُنظر إليه في دمشق على أنه مسألة تستدعي التحرك أو التنسيق مع الدولة اللبنانية، خصوصاً إذا كان المستهدف حزب الله . وربما كان جزءاً من باكورة التعاون الأمني بين دمشق وتل أبيب .
لكن ما يثير الريبة أكثر ليس الصمت فحسب، بل تزامن هذه الحادثة مع معطيات أخرى تعزز الشكوك حول طبيعة السلوك السوري في هذه المرحلة. فقد سُجّل في الآونة الأخيرة في السلسلة الشرقية نشر لصواريخ هجومية باتجاه الأراضي اللبنانية، وهي خطوة خطيرة ، وتطرح علامات استفهام حول الرسائل السياسية والعسكرية الكامنة خلفها.
هذه الوقائع مجتمعة — عبور قوة إسرائيلية عبر الأراضي السورية، وعدم إبلاغ بيروت، بالتوازي مع نشر صواريخ هجومية نحو لبنان — تضع أداء القوات التابعة للرئيس أحمد الشرع تحت مجهر التساؤلات. فهل كان ما جرى مجرد تقصير أم تنسيق أمني رفيع مع اسرائيل ؟ أم أن الأمر يعكس تحوّلاً أعمق في مقاربة دمشق للملف اللبناني؟
ما جرى في السلسلة الشرقية لا يمكن اختزاله بعملية أمنية معزولة هدفها البحث عن رفات طيار مفقود منذ عقود. فالمسار الذي سلكته القوة الإسرائيلية، والصمت السوري الذي رافق عبورها، والرسائل العسكرية التي ظهرت عبر نشر صواريخ باتجاه لبنان، كلها عناصر ترسم صورة أشد تعقيداً من مجرد حادثة ميدانية عابرة.
في مثل هذه الوقائع، لا يكون السؤال عمّا حدث فقط، بل عمّا سُمح له أن يحدث. فحين تمر قوة إسرائيلية عبر أراضٍ تخضع لسلطة دولةٍ ما من دون اعتراض أو حتى إخطار للدولة المجاورة، يصبح الصمت جزءاً من المشهد السياسي لا مجرد تفصيلٍ ثانوي
في كل الأحوال، فإن ما حدث في السلسلة الشرقية لا يمكن قراءته كحادثة معزولة. فالمسألة تتجاوز عملية محدودة للبحث عن رفات طيار مفقود منذ عقود، لتطرح سؤالاً أكبر:
هل دخلت سوريا في العصر الإسرائيلي ؟
