دخل «إير فورس وان» أمام الكاميرات وخرج في شاحنة تموين… كيف خدعت واشنطن المراقبين لحماية ترامب من تهديد إيراني ؟

 دخل «إير فورس وان» أمام الكاميرات وخرج في شاحنة تموين… كيف خدعت واشنطن المراقبين لحماية ترامب من تهديد إيراني ؟

دخل «إير فورس وان» أمام الكاميرات وخرج في شاحنة تموين… كيف خدعت واشنطن المراقبين لحماية ترامب من تهديد إيراني؟

ليبانغيت

في مشهد بدا للكاميرات روتينيًا تمامًا، صعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء 8 تموز/يوليو 2026 إلى الطائرة الرئاسية الأميركية في أنقرة، ولوّح مودعًا قبل أن يختفي داخلها.

كان ترامب قد وصل إلى تركيا في 7 تموز/يوليو 2026 للمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» التي عُقدت في أنقرة، قبل أن يغادر في اليوم التالي، في رحلة ستتحول لاحقًا إلى واحدة من أكثر عمليات التمويه الأمني غرابة المحيطة برئيس أميركي.

لكن ما رآه العالم أمام الكاميرات لم يكن سوى الجزء الأول من عملية أمنية شديدة السرية.

فبحسب تحقيق نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، كانت الأجهزة الأمنية الأميركية قد تلقت معلومات عن تهديد إيراني وُصف بأنه جدي، يتصل باحتمال استهداف ترامب شخصيًا أو الطائرة التي ستقله من تركيا، ما دفع إلى تنفيذ خطة خداع معقدة لإخفاء مسار الرئيس الحقيقي ومكان وجوده.

بدأت الخطة أمام عدسات التلفزة.

وصل ترامب بسيارته الرئاسية إلى الطائرة الكبيرة المعروفة للرأي العام باسم «إير فورس وان»، وصعد الدرج أمام الكاميرات كالمعتاد. وبالنسبة إلى الصحافيين وعدد من موظفي البيت الأبيض، كانت الصورة واضحة: الرئيس أصبح على متن الطائرة وسيغادر تركيا عليها.

لكن بعد دقائق، جرى تنفيذ الجزء الأكثر غرابة في العملية.

على الجهة الأخرى من الطائرة، بعيدًا عن أنظار معظم الموجودين، كانت شاحنة خاصة بتموين الطائرات قد رُفعت حاويتها هيدروليكيًا إلى مستوى أحد أبواب الطائرة. ووفق الرواية التي نقلتها «واشنطن بوست» عن مسؤول أميركي ومواد اطلعت عليها الصحيفة، دخل ترامب مع عدد محدود من مساعديه إلى حاوية التموين، وهي من النوع المستخدم عادة لنقل الطعام والمستلزمات إلى الطائرات.

ثم انخفضت الحاوية ببطء إلى الشاحنة.

وانطلقت المركبة مبتعدة عن «إير فورس وان»، فيما كان الصحافيون في تلك الأثناء يصعدون إلى الطائرة التي اعتقدوا أن الرئيس لا يزال بداخلها.

لكن وجهة الشاحنة لم تكن مطبخ المطار.

كانت متجهة إلى طائرة عسكرية أميركية أصغر من طراز C-32A، وهي نسخة عسكرية معدلة من طائرة «بوينغ 757» تُستخدم لنقل كبار المسؤولين الأميركيين.

اقتربت شاحنة التموين من الطائرة العسكرية، ثم رُفعت الحاوية مجددًا إلى مستوى بابها. وهناك، وبعيدًا عن المشهد العلني، انتقل ترامب إلى الطائرة الثانية التي ستتولى نقله سرًا إلى بريطانيا.

في المقابل، بقيت الطائرة الرئاسية الكبيرة لبعض الوقت على أرض المطار وعلى متنها الصحافيون وبعض موظفي البيت الأبيض، من دون أن يعلموا  أن ترامب قد غادرها.

بل إن الصحافيين تلقوا تعليمات بإغلاق ستائر نوافذ الطائرة أثناء وجودها في تركيا، في خطوة تبدو الآن جزءًا من إجراءات إبقاء التحركات المحيطة بالطائرات بعيدًا عن الأنظار.

وبعد اكتمال العملية، أقلعت الطائرتان من تركيا.

الطائرة العسكرية الصغيرة التي كانت تقل ترامب فعليًا أقلعت مستخدمة نداءً جويًا غير لافت هو RCH18 – Reach 18، بدل استخدام الاسم الشهير «Air Force One»، فيما أقلعت الطائرة الرئاسية الكبيرة وعلى متنها الصحافيون وبعض موظفي البيت الأبيض، لتتحول عمليًا إلى طائرة تمويه في الجو تخفي حقيقة الطائرة التي يوجد عليها الرئيس.

أما المفارقة الأبرز، فكانت أن الطائرة الكبيرة التي كان الصحافيون يعتقدون أن ترامب على متنها ظهرت لاحقًا خلال الرحلة تحت نداء AF1، أي «إير فورس وان»، رغم أن الرئيس نفسه لم يكن موجودًا عليها، وفق البيانات والمواد التي استند إليها تحقيق «واشنطن بوست».

وهكذا اكتملت عملية التمويه الجوي: طائرة رئاسية كبيرة أقلعت من تركيا يعتقد المراقبون أن الرئيس موجود على متنها، وطائرة عسكرية أصغر تحمل ترامب فعليًا وتحلق بعيدًا عن الأنظار.

وصلت الطائرتان لاحقًا إلى قاعدة ميلدنهال العسكرية الأميركية في بريطانيا. ولم توضح الصحيفة بصورة نهائية كيف انتقل ترامب بعد الهبوط من الطائرة العسكرية الصغيرة إلى الطائرة الرئاسية الكبيرة، لكن بعد فترة قصيرة ظهر أمام الكاميرات وهو ينزل من «إير فورس وان»، في مشهد أعاد الصورة العامة إلى مسارها الطبيعي وكأن الرحلة جرت بالطريقة المعتادة.

حتى البيان الذي نشره البيت الأبيض في تلك الليلة قال إن ترامب وصل إلى القاعدة البريطانية على متن الطائرة الرئاسية، من دون الكشف عن عملية الخداع التي جرت خلال مغادرته تركيا.

وبعد ذلك، تحدث ترامب للصحافيين عن الأخطار الإيرانية التي تهدده، لكنه لم يكشف حينها أنه كان قد أمضى الساعات السابقة في رحلة سرية منفصلة عن الوفد الإعلامي المرافق له.

القصة، التي بقيت طي الكتمان لأكثر من شهر قبل أن تكشف «واشنطن بوست» تفاصيلها في 10 آب/أغسطس 2026، تعكس حجم القلق الأمني الذي كان يحيط بتحركات الرئيس الأميركي وسط التصعيد مع إيران.

فمن صعود «إير فورس وان» أمام عدسات العالم، إلى الاختفاء داخل شاحنة تموين، ومنها إلى طائرة عسكرية أقلعت سرًا، بينما حلقت الطائرة الرئاسية في مسار موازٍ لتضليل أي جهة تراقب تحركاته، وصولًا إلى ظهوره مجددًا أمام الكاميرات في بريطانيا…

كانت رحلة ترامب من تركيا، بحسب التحقيق، أقل شبهًا برحلة رئاسية تقليدية، وأكثر قربًا من عملية خداع استخبارية كاملة هدفها الوحيد: ألا يعرف الخصم أين يوجد رئيس الولايات المتحدة فعليًا.

مقالات ذات صلة