قصة سامي الغضبان من رستم غزالي إلى يزيد بن فرحان …وسعود القحطاني
قصة سامي الغضبان من رستم غزالي إلى يزيد بن فرحان …وسعود القحطاني
خاص- ليبانغيت
لم تهدأ بعد تداعيات قصة «أبو عمر»، الشخصية الوهمية التي انتحلت صفة أمير سعودي، ونجحت من خلف الهاتف في فتح أبواب سياسيين ونواب وشخصيات لبنانية، قبل أن تنكشف واحدة من أكثر قصص النفوذ الوهمي غرابة في لبنان. لكن المفارقة أن سقوط «الأمير الوهمي» أعاد تسليط الضوء على نموذج آخر، مختلف تماماً: رجل لا يحتاج إلى انتحال صفة أمير، لأنه يستمد نفوذه من قربه المباشر من الأمير السعودي يزيد بن فرحان.
هنا يظهر اسم سامي الغضبان.
فإذا كان «أبو عمر» قد صنع لنفسه نفوذاً افتراضياً عبر الإيحاء بأنه يتحدث باسم المملكة وأمرائها، فإن الغضبان يظهر وكأنه يجسد النسخة الواقعية من المعادلة نفسها: شخص يعمل من خارج الأطر الدبلوماسية المعلنة، لكن قربه من بن فرحان منحه قدرة على التواصل والتأثير وفتح الأبواب، وجعل اسمه حاضراً في تقاطعات السياسة والإعلام والعلاقات العامة في لبنان.
الفرق جوهري، فالأول انتحل النفوذ، أما الثاني فتُنسب إليه شبكة نفوذ تستمد قوتها من علاقته برجل المملكة في لبنان. وبين «أبو عمر» الوهمي و«أبو عمر» الحقيقي، تفتح «ليبانغيت» ملف سامي الغضبان: من أين أتى؟ كيف انتقل من الهامش إلى قلب المشهد؟ وكيف أصبح الرجل الذي تتردد أصداء اسمه في الصالونات السياسية وبين أقطاب السياسة والإعلام والأمن والقضاء .
ـــــــــــــــــــــــ ◆ ـــــــــــــــــــــــ
عندما تبدأ ماكينات الذباب الإلكتروني السعودي في بيروت بالدوران، وتتحرك الحملات في الفضاءالرقمي، وتظهر فجأة موجات من الهجوم أو الدفاع عن شخصية أو جهة ما، يبرز خلف المشهد اسمواحد يتردد في الكواليس: سامي الغضبان.
قصة سامي، كما ترويها بعض الأوساط القريبة منه، ليست قصة صعود تقليدية. فابن جبل لبنان الدرزي الأصل والذي اعتنق المذهب السني بأوامر أميرية ، بدأ حياته السياسية بانضمامه إلى الحزب التقدمي الإشتراكي في زمن الحرب الأهلية اللبنانية، وذلك ما ساعده أن يحظى بوظيفة سائق عند مدير عام وزارة المهجرين الأسبق إبراهيم شرارة الذي كان احد رجال رئيس جهاز الأمن والاستطلاع رستم غزالي في لبنان ، ومن ثم انتقل للعمل في صف الإستخبارات السورية تحت إمرة العقيد في الإستخبارات السورية جامع جامع . وبعد الانسحاب السوري من لبنان انقطع الغضبان عن الظهور وغاب عن المشهد بشكل تام ، ثم فجأة ظهر بوظيفته الجديدة : سائقاً لدى الأمير يزيد بن فرحان قبل توليه منصبه الأخير في لبنان.
ومع مرور الوقت تحول الغضبان بحكم ملاصقته للأمير إلى أمين أسراره الخاصة، الأمر الذي أهله إلىركوب رحلة طويلة من التدرّج وإعادة التموضع، انتهت به إلى موقع مختلف تماماً عن نقطة انطلاقه.
واليوم لم يعد سامي مجرد سائق لدى بن فرحان، بل أصبح، وفق توصيف بعض العارفين، عينه ولسانه ،وأداته في مواجهة من يخرج عن الخط السياسي والإعلامي السعودي في لبنان.
ومع اتساع نفوذه، دخل عبر شبكة علاقاته إلى دوائر القرار الإعلامي، والسياسي اللبناني، مستفيداً منالدعم الذي وفره له قربه الشخصي من بن فرحان.
وفي مرحلة لاحقة، بدأ اسم سامي يظهر خلف مجموعة من المواقع والمنصات الإعلامية وبعضالإعلاميين المعروفين إضافة إلى مجموعة من الشبان والشابات الذين باتوا، بحسب ما يتردد فيالصالونات اللبنانية، يشكلون ما اصطلح البعض على تسميته «القوة الضاربة» لبن فرحان.
هنا تحديداً، تبدلت معادلة سامي. فالرجل الذي بدأ سائقا أصبح تدريجياً أمين سر بن فرحان، إلى درجةأن البعض أخذ يصفه بأنه عقله السياسي والإعلامي في بيروت. ونتيجة لذلك أطلق بعض اللبنانيين علىبن فرحان في كواليسهم لقب امير ذباب لبنان.
وفي السنة الأخيرة، برز اسم الغضبان بقوة أكبر في الحملات الإلكترونية التي استهدفت شخصيات لاتحظى برضى الأمير يزيد أو تقع، في الجهة المقابلة من الصراع. بعض هذه الحملات نجح في إضعافصورة شخصيات سياسية وإعلامية ،ولم يسلم منها مفتي الجمهورية اللبنانية نفسه، ، وأعطى ذلك كله،لسامي سمعة واسعة في عالم السوشيال ميديا، حتى إن البعض أطلق عليه، على سبيل المقارنة، لقب«قحطاني لبنان».
لكن رواية أخرى بدأت تظهر في الكواليس.
سامي، بحسب بعض الشباب المحيطين به، تحدث أكثر من مرة عن تواصل مباشر مع “كبار القوم” فيالرياض عبر رسائل على واتساب، وعن تهنئة تلقاها من أمراء كبار بسبب بعض الحملات التي اعتبروها ناجحة وفعّالة . كما نُقل عنه أنه قال إن اسمه ورد في اجتماع في المملكة خلال عيد الأضحى الأخير، وإنبعض الحاضرين أكد ان أداءه في لبنان اكثر فعالية من أداء القحطاني في السعودية.
غير أن مصادر أخرى تنفي هذه الرواية بالكامل. وتقول إن الرسالة التي تلقاها سامي في عيد الأضحى،كانت من القحطاني نفسه، وقد تضمنت تهنئة بالعيد وإشادة بعمله وعبارة مفادها أن «الكباريتابعونك».
وبغض النظر عن الرواية الصحيحة، فإن مجرد تداول هذه التفاصيل يكشف حجم التحول الذي طرأ علىموقع سامي لدى صناع القرار في المملكة.
ومع ذلك فان صعوده السريع لم يمر من دون اعتراضات داخل الدائرة نفسها. بعض الشباب اللبنانيينالعاملين في صفوف “ذباب بن فرحان” بدأوا ،ينظرون بعين الريبة إلى اتساع نفوذ الغضبان، معتبرين أنهيضخم دوره ويتجاوز الحدود التي رسمت له. ويُقال إن بعض هذه الشكاوى وصل إلى يزيد، إلا أن الأخير،لا يزال يعتبر سامي إحدى أهم أدواته في مواجهة خصومه في لبنان، ولا يعير أهمية للأصوات المعترضةعلى دوره، فيما يقول بعض المطلعين على علاقة الرجلين أن مكمن قوته يعود لعلمه بأمور شخصيةحساسة عن الأمير يزيد ، وليس إلى حنكته او خبرته.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في قصة الغضبان. فالرجل الذي لم تكن له اي تجربة سابقة مع الشأن العام،استطاع خلال سنوات أن يبني شبكة علاقات معقدة، وأن ينتقل من موقع هامشي إلى موقع يجعله لاعباًفي تقاطع السياسة والإعلام والعلاقات العامة والعمل الإلكتروني، من الرياض إلى بيروت.
فمن سائق بسيط، إلى قريب من مراكز القوة، ثم إلى رجل يتولى إدارة المعارك الرقمية، وصولاً إلى موقعبات فيه اسمه حاضراً في العلاقة المتشابكة بين بن فرحان والقحطاني، في رحلة صعود غير عادية.
والأكثر إثارة في قصة سامي ليس وصوله إلى هذا الموقع، بل كيفية وصوله.
فهو لم يأتِ من مؤسسة إعلامية عريقة، ولم يصعد عبر سلم سياسي تقليدي، ولم يحمل معه إرثاً عائلياًمعروفاً في هذا المجال. بنى الرجل نفوذه من العلاقات، ومن قراءة الأشخاص، فانتقل من العمل فيالشؤون الخاصة، إلى الشأن العام.
ومع الوقت، لم يعد سامي مجرد ناقل لرسائل بن فرحان أو منفذ لتوجيهاته، بل بدأ خصومه يتحدثونعن انقلاب في الأدوار: من شخص ينقل الأوامر إلى شخص يؤثر في صناعة قرارات الأمير يزيد.وأصبحت له اليد الطولى في الإدارة والقضاء والإعلام ، كما ظهر دوره الخفي في قلب توجهات بعض النواب ومنهم النائب فيصل كرامي الذي يعتبر عرّاب انتقاله إلى الضفة السعودية .
وتقول روايات متداولة إن العلاقة بين الرجلين تجاوزت الإطار السياسي والإعلامي إلى دائرة شخصيةضيقة، وإن بن فرحان أصبح ضيفاً على سهرات خاصة ينظمها الغضبان، في صورة تعكس حجم الثقةوالحظوة التي وصل إليها الأخير. ومع الوقت تحولت تلك السهرات إلى الجسر الذي أوصل الغضبان إلى قلب الأمير ، حتى بات يُلقّب بالمنسق العاطفي لبن فرحان.
ففي عالم النفوذ، لا يزعج الآخرين أن يصعد شخص ما بقدر ما يزعجهم صعوده السريع والمفاجئ ، وأنيتم تجاوزهم، وأن يصبح قريباً من اصحاب القرار أكثر منهم.
استطاع سامي ، بالرغم من بلوغه سنّ السبعين ، أن يجد لنفسه باباً آخر الى السلطة، أكثر حداثة وأشدتأثيراً، وهو باب الإعلام الرقمي،وصناعة الصورة، وإدارة المعارك من خلف الشاشات. والاهم من ذلك كلهباب العلاقات الشخصية الخاصة الذي عرف كيف يسلك دهاليزها بحنكة عالية.
قصة سامي كما تُروى في كواليس بيروت والرياض، ترسم صعود رجل بدأ من الهامش، ثم اكتشف أنالطريق إلى قلب السلطة لا يمر دائماً عبر التدرج الحزبي والمكاتب الرسمية، بل قد يبدأ أحياناً خلفمقود سيارة ويمر بخبر أمام شاشة هاتف ويتكرس بحفلات “ماجنة” …لينتهي إلى جلوسه بين دفتي أميرومستشار.
