من حرب إيران إلى سباق 2028… صراع فانس وهيغسيث تحت سقف ترامب

 من حرب إيران إلى سباق 2028… صراع فانس وهيغسيث تحت سقف ترامب

حرب داخل البنتاغون… هل يؤجل ترامب «الحساب» مع هيغسيث إلى ما بعد الانتخابات؟

خاص – ليبانغيت

في واشنطن، لا تحتاج الإقالة دائماً إلى قرار إقالة، ولا تعني الاستقالة بالضرورة أن صاحبها اختار الرحيل بكامل إرادته. أحياناً يكفي أن تُسحب من المسؤول أدواته، وأن يغادر حلفاؤه واحداً تلو الآخر، وأن تضيق المساحة المحيطة به، حتى يصبح الباب الوحيد المفتوح أمامه هو باب الخروج.

بهذه الصورة يمكن قراءة استقالة وزير الجيش الأميركي دان دريسكول. فالخبر، في ظاهره، يتعلق بمسؤول كبير قرر مغادرة منصبه، لكنه في عمقه يفتح نافذة على صراع أكبر يجري داخل البنتاغون، تتداخل فيه إعادة تشكيل القيادة العسكرية مع حرب إيران، وحسابات الانتخابات النصفية، والتنافس المكتوم حول من سيرث دونالد ترامب سياسياً في 2028.

والقصة لم تبدأ مع دريسكول.

منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، أخذت أسماء كبيرة تتساقط تباعاً من هرم المؤسسة العسكرية. أُقيل رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال تشارلز «سي كيو» براون، ولحقت به رئيسة العمليات البحرية الأدميرال ليزا فرانكيتي ونائب رئيس أركان القوات الجوية الجنرال جيمس سلايف، إلى جانب مسؤولين عسكريين وقانونيين آخرين. ثم وصلت موجة التغيير إلى الجيش نفسه، فأُقيل رئيس أركانه الجنرال راندي جورج، أحد أبرز شركاء دريسكول في مشروع تحديث القوات البرية.

بالنسبة إلى وزير الدفاع بيت هيغسيث، لم يكن ذلك انقلاباً على المؤسسة بقدر ما كان تصحيحاً لمسارها. الرجل لم يُخفِ منذ وصوله إلى البنتاغون اعتقاده بأن الجيش الأميركي ابتعد عن وظيفته الأساسية، وأن سنوات من التركيز على التنوع والسياسات الاجتماعية أضعفت ثقافة «المحارب» التي يريد إعادتها إلى صدارة العقيدة العسكرية.

لكن عندما تتسارع الإقالات بهذا الشكل، يصبح السؤال مشروعاً: أين ينتهي  ما يُعتبر إصلاحاً، وأين تبدأ عملية إعادة تشكيل المؤسسة على صورة الرجل الذي يقودها؟

في هذه النقطة تحديداً دخل دريسكول في قلب المواجهة.

وزير الجيش الذي اكتشف حدود سلطته

قد يوحي لقب «وزير الجيش» بأنه يضع دريسكول في موقع موازٍ لوزير الدفاع، لكن النظام الأميركي مختلف. وزير الجيش مسؤول مدني يعيّنه الرئيس ويصادق عليه مجلس الشيوخ، إلا أن القانون يضعه تحت «سلطة وتوجيه وسيطرة» وزير الدفاع. وبكلمات أكثر بساطة، فإن الطريق الإداري ينزل من الرئيس إلى وزير الدفاع، ومنه إلى وزير الجيش.

وهذا التفصيل القانوني يفسر الكثير مما حدث لاحقاً.

فمع تصاعد الخلاف بين دريسكول وهيغسيث حول طريقة تحديث الجيش، لم يحتج وزير الدفاع إلى إقالة خصمه مباشرة. بدأت الدائرة المحيطة بدريسكول تتآكل تدريجياً، فأُقيل راندي جورج، شريكه الأساسي في عملية التحديث، وأُبعد ضباط آخرون، وتعطلت ترقيات، وتراجعت المؤسسة عن بعض برامج الطائرات المسيّرة التي كان دريسكول يدفع باتجاهها.

وبحسب رويترز، وصل دريسكول إلى قناعة بأن قرارات هيغسيث باتت تعرقل عملية تحديث الجيش، فيما نقلت الوكالة عن مسؤول أميركي أن وزير الدفاع كان ينظر إلى دريسكول بوصفه تهديداً داخل البيروقراطية العسكرية، وأنه أراد التخلص منه منذ فترة، لكن مشكلة هيغسيث كانت أن خصمه لم يكن وحيداً، وخلفه كان يقف رابط سياسي بالغ الحساسية اسمه جي دي فانس.

دريسكول وفانس صديقان منذ أيام كلية الحقوق في جامعة ييل، وعلاقتهما الوثيقة كانت معروفة داخل الإدارة، ومنحت وزير الجيش ثقلاً يتجاوز حدود منصبه. ولذلك لم يكن إخراجه من المشهد أمراً بسيطاً.

لكن في هرم السلطة، لا تحتاج دائماً إلى إقالة خصمك كي تُخرجه من المشهد. فعندما تُبعد مساعديه، وتقصي الضباط الذين يستند إليهم، وتعرقل البرامج التي يقودها، يصبح بقاؤه في المنصب شكلياً فيما تتآكل سلطته الفعلية.

وهذا ما يجعل استقالة دريسكول أقرب سياسياً إلى «إقالة مقنّعة». فلا دليل على أن أحداً طلب منه الرحيل صراحة، لكن تضييق هامش حركته وسحب أدواته دفعاه عملياً نحو الخروج . والنتيجة واحدة: دريسكول غادر، من دون أن يتحمل أحد الكلفة السياسية لإقالته مباشرة.

غير أن دريسكول، قبل أن يغادر، فعل شيئاً جعل استقالته أكثر حساسية بالنسبة إلى هيغسيث: ذهب إلى الرئيس.

التحذير الأخير في مكتب ترامب

قبل إعلان رحيله، التقى دريسكول دونالد ترامب شخصياً ووضع أمامه مخاوفه بشأن الاتجاه الذي يسلكه الجيش تحت قيادة هيغسيث. وبحسب The Atlantic، فوجئ الرئيس عندما عرض الوزير  أمامه حجم عدد الجنرالات وكبار الضباط الذين أُقيلوا أو أُبعدوا أو جرى تجاوزهم في الترقيات، وأبدى قلقه من حجم الاستنزاف الذي أصاب القيادة العليا.

وفي اللقاء نفسه، أبلغ دريسكول ترامب بأنه سيستقيل.

ترامب استمع إلى التحذيرات، لكنه لم يتدخل لإبقاء دريسكول. لم يفتح مواجهة علنية مع هيغسيث، ولم يطلب من وزير الجيش التراجع عن قراره. وفي النهاية بقي وزير الحرب في مكتبه وغادر الرجل الذي جاء ليشتكي منه.

هل يعني ذلك أن ترامب اختار هيغسيث على حساب دريسكول؟ ليس بالضرورة. لكنه يعني، في الحد الأدنى، أن الرئيس لم يكن مستعداً في تلك اللحظة لدفع ثمن مواجهة مع وزير حربه من أجل إنقاذ وزير الجيش.

ولفهم السبب، لا يكفي النظر داخل البنتاغون. يجب الانتقال إلى مكان آخر، حيث يقف جي دي فانس، ثم أبعد منه بقليل، إلى إيران.

فانس وهيغسيث… إيران كشفت ما كان مستوراً

دريسكول ليس الرابط الوحيد بين البنتاغون وفانس. فالاختلاف الأعمق بين نائب الرئيس ووزير الدفاع ظهر في السؤال الذي قسم جزءاً من حركة «أميركا أولاً» منذ البداية: إلى أي حد يجب أن تستخدم الولايات المتحدة قوتها العسكرية خارج حدودها؟

فانس صعد سياسياً بوصفه أحد أبرز المشككين في الحروب الأميركية الطويلة. كان أكثر تحفظاً تجاه الانجرار إلى مواجهة واسعة مع إيران، وأكثر حساسية تجاه احتمال أن تتحول ضربة محدودة إلى حرب مفتوحة لا يعرف أحد كيف تنتهي.

أما هيغسيث، فبنى جزءاً كبيراً من صورته على استعادة الردع والقوة العسكرية، وظهر داخل الإدارة أكثر حماسة لاستخدام القوة ضد طهران.

في الأيام الأولى للحرب، بدا أن ميزان القوة يميل إلى معسكر هيغسيث. ومع امتداد العمليات، بدأت التحذيرات بشأن استنزاف مخزونات من الذخائر والصواريخ الأميركية تتسرب إلى العلن. ولم تعد القضية تتعلق بإيران وحدها. فكل صاروخ يُستخدم في الشرق الأوسط هو جزء من حسابات أكبر تشمل قدرة الولايات المتحدة على مواجهة أزمة محتملة في آسيا أو أوروبا.

ووفق رواية نشرتها واشنطن، وصل التوتر إلى كامب ديفيد، حيث واجه ترامب هيغسيث بشأن حجم النقص في بعض الذخائر ولماذا لم يكن الرئيس على علم بالمشكلة كما يجب.

سواء جرت المواجهة بكل تفاصيلها أم لا، فإن نمطاً بدأ يظهر حول هيغسيث: تساؤلات في الداخل، يقابلها دعم من ترامب في الخارج.

وهذا التناقض قد لا يكون تناقضاً على الإطلاق.

قد يكون سياسة.

وزير يصعب على ترامب إقالته الآن

ترامب لا يدير حرباً فقط، بل يتجه أيضاً إلى انتخابات نصفية في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر. وفي السياسة الأميركية، قد يكون توقيت القرار أحياناً أهم من القرار نفسه.

إقالة وزير الدفاع قبل أسابيع من الانتخابات، فيما القوات الأميركية غارقة في حرب مفتوحة مع إيران، لن تمرّ كتغيير عادي في الإدارة، بل ستبدو كاعتراف بأزمة في قلب البنتاغون. وستُفتح معها دفعة واحدة الملفات التي حاول البيت الأبيض إبقاءها خلف الأبواب: إقصاء الجنرالات، استقالة وزير الجيش، استنزاف مخزون الذخائر، علامات الاستفهام حول الجاهزية العسكرية، وصولاً إلى السؤال الأخطر: هل أُديرت حرب إيران كما كان يعتقد ترامب؟

وسيحصل خصوم ترامب على رواية انتخابية لا تحتاج إلى شرح طويل: الرئيس أقال وزير دفاعه وسط الحرب.

أما بالنسبة إلى ترامب، فالمسألة أكثر حساسية وشخصية؛ فهو من اختار هيغسيث ووضعه على رأس البنتاغون. وإذا أقاله الآن تحت وطأة الأزمات، فسيمنح خصومه فرصة لتحويل الإقالة إلى إقرار سياسي بأن رهانه على الرجل أخفق، وأن الخلل وصل إلى أحد أبرز اختيارات إدارته.

وطالما أن كلفة الاحتفاظ به أقل من كلفة إقالته، فإن المنطق السياسي يدفع باتجاه إبقائه، على الأقل حتى يتغير أحد عاملين: الحرب أو الانتخابات.

وهنا يصبح الثالث من نوفمبر تاريخاً يستحق أن يوضع تحته خط.

بعد الانتخابات، لن يحتاج ترامب إلى التفكير في أثر كل أزمة داخل البنتاغون على مرشح جمهوري يخوض سباقاً متقارباً. وإذا كان قد تمكن في الوقت نفسه من إنهاء حرب إيران أو الوصول إلى تسوية يستطيع تقديمها للرأي العام باعتبارها انتصاراً، فسيصبح تغيير وزير الدفاع أقل كلفة بكثير.

عندها لن يكون ضرورياً أن يقول البيت الأبيض إن هيغسيث أُقيل بسبب الفشل. يمكن صياغة المشهد بطريقة أكثر ملاءمة لترامب: مرحلة الحرب انتهت، والمرحلة الجديدة تحتاج إلى قيادة جديدة.

الفرق بين العبارتين هائل سياسياً.

واللافت أن ترامب نفسه، عندما سُئل  عن ترشح هيغثيت للرئاسة عام 2028، أعاد ترتيب الأولويات بكلمات قليلة: يجب أولاً تجاوز الانتخابات النصفية.

بعدها فقط تبدأ الحسابات الأخرى.

ومن بينها حساب لا يتعلق بالبنتاغون وحده، بل بمن سيجلس بعده  في المكتب البيضاوي.

معركة 2028 التي لم تبدأ رسمياً

حتى الآن، يبقى جي دي فانس الاسم الأكثر طبيعية لخلافة ترامب داخل الحركة التي صنعها الرئيس. فهو نائب الرئيس، ويتمتع بعلاقة قوية مع قاعدة MAGA، ويمتلك موقعاً يسمح له بتقديم نفسه وريثاً سياسياً للمشروع.

لكن اسم هيغسيث بدأ بدوره يظهر في أحاديث عن طموحات سياسية تتجاوز وزارة الدفاع. هو نفى أنه يخطط للترشح للرئاسة في 2028، إلا أن تقارير أميركية تحدثت عن طموحات انتخابية ومناقشات دارت في محيطه.

وهنا تأخذ العلاقة بين الرجلين بعداً آخر.

فانس يمثل داخل «أميركا أولاً» تياراً أكثر حذراً تجاه الحروب الخارجية، بينما يمثل هيغسيث صورة أميركا التي تستعيد الردع بالقوة. الأول يمتلك منصب نائب الرئيس، والثاني يمتلك أكبر منصة عسكرية في العالم. وبينهما رئيس لا يبدو مستعجلاً لتسمية وريثه.

وخروج دريسكول، الصديق المقرب من فانس، يبدو من هذه الزاوية انتصاراً واضحاً لهيغسيث داخل البنتاغون. لقد غادر أحد أبرز المسؤولين القادرين على موازنته، وأصبحت يد وزير الدفاع أكثر حرية في إعادة تشكيل الجيش وفق رؤيته.

لكن الانتصارات في واشنطن لها أحياناً ثمن مؤجل.

الرجل الذي ربح المعركة قد يرث المسؤولية

بخروج دريسكول، وإقالة راندي جورج، وإبعاد مجموعة من كبار الضباط، أصبح من الصعب على هيغسيث أن يقول مستقبلاً إن الجيش لم يكن جيشه.

لقد حصل على مساحة واسعة لإعادة ترتيب المؤسسة، ومعها حصل على شيء آخر لم يكن بالضرورة يبحث عنه: المسؤولية شبه الكاملة عن النتائج.

إذا نجحت حرب إيران وانتهت بشروط يستطيع ترامب بيعها للأميركيين بوصفها انتصاراً، وإذا أعيد بناء مخزونات الذخائر واستمرت الجاهزية العسكرية، فسيخرج هيغسيث من المرحلة أقوى، وربما تتحول الأحاديث عن مستقبله السياسي من همسات إلى مشروع حقيقي.

أما إذا حدث العكس، فهناك رجل غادر البنتاغون بعدما دخل على الرئيس وحذره.

وهذه هي المشكلة التي قد تلاحق هيغسيث.

فإذا ظهرت أزمة في الجاهزية أو الذخائر، أو تعثرت عملية تحديث الجيش، أو تحولت إيران إلى حرب استنزاف طويلة، لن يكون السؤال فقط: ماذا فعل وزير الدفاع؟

سيكون هناك سؤال أكثر إحراجاً للرئيس نفسه: ألم يحذرك وزير الجيش من ذلك قبل أن يغادر؟

وعندها قد تتحول استقالة دريسكول، التي تبدو اليوم انتصاراً لهيغسيث، إلى أول ورقة في ملف محاسبته.

فترامب لا يحتاج الآن إلى إقالة وزير دفاعه كي يثبت أنه غير راضٍ عنه، كما أنه لا يحتاج إلى حمايته إلى الأبد لمجرد أنه يدافع عنه اليوم. ما يحتاجه في الأسابيع المقبلة هو عبور حرب لم تنتهِ بعد وانتخابات لا يريد أن يدخلها والبنتاغون يعيش انفجاراً سياسياً على شاشات التلفزة.

بعد الثالث من نوفمبر، تتغير المعادلة.

إذا فاز الجمهوريون، سيحصل ترامب على مساحة أوسع لإعادة ترتيب إدارته من دون حساب انتخابي فوري. وإذا خسروا، فقد يبدأ البحث عن أسباب الخسارة وعن الشخص الذي يمكن أن يتحمل جزءاً من كلفة المرحلة. وفي السيناريوهين، قد يصبح موقع هيغسيث أقل أماناً مما يبدو اليوم.

لهذا، ربما لا يكون السؤال الذي يطارد البنتاغون الآن هو ما إذا كان ترامب سيقيل بيت هيغسيث.

السؤال الأكثر إثارة هو ما إذا كان الرئيس يحمي وزير دفاعه لأنه ما زال يحتاج إليه، أم لأنه ما زال يثق به.

الفرق بين الاحتمالين لن يظهر في تصريحات ترامب، ولا في كلمات الدعم التي يكررها أمام الكاميرات. سيظهر عندما تنتهي الحرب، وتُغلق صناديق الاقتراع، ويصبح بإمكان الرئيس أن يفتح ملفات المرحلة السابقة من دون أن يدفع ثمنها في اليوم التالي.

عندها فقط قد نعرف المعنى الحقيقي لاستقالة وزير الجيش الأميركي دان دريسكول.

فالرجل الذي خرج من البنتاغون خسر منصبه، لكن الرجل الذي بقي داخله قد يكون قد ورث شيئاً أثقل بكثير:

المسؤولية عن كل ما سيحدث بعده…

مقالات ذات صلة